ماذا لو؟ (الواعظ ربيع طالب)

أنهى القسّيس عظته، وتوجّه لرعيّته قائلًا: “يا أحبّة، الأحد القادم سنتأمّل بموضوع الكذب، ومن أجل التَّحضير للموضوع، الرجاء قراءة (مرقس 17). مرّت أيّام الأسبوع، حتّى جاء يوم الأحد، فاجتمعت الكنيسة صباحًا في خدمة العبادة. ولمّا حان وقت العظة، قال القسّ للرعيّة: “لقد سبق وقلت لكم الأحد الماضي عن موضوع تأمّل اليوم، لكن قبل أن أبدأ أسألكم: هل من أحدٍ قرأ النَّص؟”. وما إن أنهى سؤاله حتّى رفع أربعة أشخاصٍ أيديهم، وما هي إلّا بضع ثوانٍ حتى رفع أغلبيّة الناس الآخرين أيديهم بالتدريج، الواحد تلو الآخر. فما كان من الراعي إلّا وقال ضاحكًا: “الظاهر يا أحبّة، يجب أن نتأمّل جيّدًا بموضوع الكذب، لأنّه لا يوجد إصحاح 17 في إنجيل مرقس!”
إذا فكّرنا جيّدًا في الأسباب الكامنة وراء كذب الأفراد بعد سؤال الراعي، سنجد سببَيْن أساسيَّيْن هما: أولًا، الكذب لإظهار أنَّنا أفضل الجميع، وهذا ما فعله الأشخاص الأربعة الذين رفعوا أيديهم مُباشرةً بعد السؤال؛ ثانيًا، الكذب بسبب الخوف والخجل، وهذا ما فعله بقية الأفراد عندما رفعوا أيديهم الواحد تلو الآخر، إذْ خجلوا من الراعي، ومن الأربعة الذين رفعوا أيديهم.
كثيرًا ما يأخذنا الخوف والخجل لمكان نحن غير مقتنعين به، وكأنّه يجُرّنا بحبلٍ مربوط على أعناقنا. في (غلاطية 2) يذكر الرسول بولس حدث مواجهته مع الرسول بطرس، فيقول غاضبًا كيف أنّ بطرس وبرنابا وبقية اليهود كانوا يأكلون مع أناس من الأمم، لكن لمّا أتى قوم من عند يعقوب، فرزوا أنفسهم لئلّا يروهم وهم يجلسون ويأكلون معهم. إنّ ردّ فعل بطرس وبقية اليهود، الذين أفرزوا أنفسهم عن الأمميّين فور رؤية قوم من عند يعقوب، كان سببه الخوف والخجل، فكيف نُبرّر تصرّفاتنا وقناعاتنا أمام الآخرين؟ وفي (أعمال 11) يُذكر أيضًا عن جلوس بطرس مع الأمميّين والأكل معهم، لكن هنا يفعلها بطرس بمُجاهرة دون انسحاب. وعندما واجَه التلاميذ الذين لاموه على تصرّفه، وضَّح لهم بكل جُرأة ما رآه واختبره وسمعه، فمجّدوا الربّ جميعًا.
يا أحبّة، من الطبيعي على أيّ إنسان أن يوضع في موقف يُحتّم عليه اتِّخاذ قرار، لكن ليتَّخذ القرار بشجاعة. ما هي قناعتك؟ ما هو القرار الذي يتوافق مع إيمانك؟ قرِّره بشجاعة. لا تدع الخجل والخوف يجُرّانك لاتِّخاذ قرار بخلاف ما يُمليه عليك ضميرك، فالنتيجة ستكون مختلفة تمامًا، ولا إمكانيّة للتراجُع عنه.
فماذا لو ظلّ بطرس خائفًا من قبول الأمم؟ لأصبحت المسيحيّة مجرّد طائفة يهوديّة، ويكون بولس الرسول هو شاول الهرطوق! السؤال “ماذا لو؟” يمكن طرحه على كلّ قرار قرَّره الرسل، أو قرَّرته الكنيسة آنذاك، فأين كنّا اليوم؟ ماذا لو لم يصدّق الرسل قيامة المسيح؟ ماذا لو لم يُبشّروا بقيامة المسيح؟ ماذا لو استمعت الكنيسة الكاثوليكيّة للمُصلح “مارتن لوثر” بإيجابيّة، وصحَّحت بعض أوضاعها؟ ماذا لو لم يقرّر المرسَلون المجيء إلى بلادنا في القرن التاسع عشر؟ إنَّ أيَّ جواب مُختلف، سيُحتّم علينا مستقبلًا مختلفًا. لذا، فلنفكّر مرَّتَيْن على الأقل، قبل أن نقرّر ونجيب.
والسؤال “مَن هو قريبي؟” عنوان هذا الفصل من “النشرة”. من المؤكَّد أنّ إجابة هكذا سؤال بحاجة لشجاعة كبيرة. فربّما نكون كاليهودي الذي سمع مَثَل المسيح أنّ القريب هو السّامريّ الذي صنع معه الرّحمة، هو الآخَر الذي قد نُعاديه ونُحاربه! أو ربَّما نسمع طلب المسيح بأن نذهب نحن ونصنع كذلك، أيّ نبني علاقات قرابة مع الآخرين… كلّ قرار نتبنّاه كمسيحيّين، يجب أن يتوافق مع إيماننا ومع ضميرنا، فنقرِّره بكلّ شجاعة دون خوف أو خجل.
كما يقول المُصلح “مارتن لوثر”: “لا أستطيع التَّراجع، ولن أتراجع عن أي شيء، لأنّ مُخالفة الضَّمير ليس بالأمر الصَّحيح ولا الآمِن. أنا أقف هنا، ولا يمكنني أن أفعل شيئًا آخَر، لذا ساعدني يا الله”. آمين

2+

2 thoughts on “ماذا لو؟ (الواعظ ربيع طالب)

اترك تعليقاً