معمودية الرب يسوع (نهر الأردن ورمزيته) – الواعظ خيرالله عطالله

* يحتفل العالم المسيحي في الشرق خصوصاً في 6 كانون الثاني بذكرى معمودية الرب يسوع على يد يوحنا المعمدان في نهر الأردن، ويخبرنا كتّاب الأناجيل أن يوحنا كان يكرز في البرية بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا، وكان الناس يقبلون إليه من كل أرجاء منطقة اليهودية قاطعين رحلة ليست بالسهلة للوصول إلى مكان وجوده عند نهر الأردن ونيل المعمودية على يده، والمُلفت للانتباه في هذا السياق أن يوحنا المعمدان لم يفكر ولو لحظة بأن يذهب هو إلى الناس -كما سيفعل يسوع لاحقاً – بل كان ينتظر الجموع لتأتي إليه عند ذلك المكان بالتحديد (في البرية عند نهر الأردن).
 فلماذا يا ترى تعمّد يوحنا البقاء في مكانه؟ ولماذا أصرّ أن يجشم الناس مشقة السفر إليه؟ ولماذا اختار أصلاً أن يقيم في البرية وأن يعمّد في نهر الأردن دون سواه؟ لعل الإجابة على هذه الأسئلة تقودنا لنفتح عيوننا وأذهاننا لنبصر معنى إرسالية يوحنا المعمدان التي مهدت الطريق لإرسالية الرب يسوع.
 
* شكل نهر الأردن حدوداً جغرافية طبيعية تفصل بين برية اليهودية من الغرب والمنطقة التي تعرف بعبر الأردن شرقاً والتي سكنها الآراميون والعمونيون والموآبيون قديماً، لذلك كان عبور الأردن يعتبر تجاوزاً للحدود وانتقالاً من مكان إلى آخر.
ولهذا النهر مكانته ورمزيته في اختبارات الشعب في العهد القديم، فبعدما قاد موسى الشعب في رحلة الحرية من مصر وبعد الضياع لأربعين سنة في البرية، وصل الشعب أخيراً إلى ضفة الأردن الشرقية حيث كانت المحطة الأخيرة في رحلة التيه والضياع والنقطة الأخيرة قبل الدخول إلى أرض الراحة والحرية والطمأنينة والخير. وعند هذه المحطة يموت موسى ويستلم يشوع قيادة الشعب في هذه النقطة المفصلية والحاسمة من رحلة الحرية إذ لا بد من عبور النهر لتكتب نهاية قصة الضياع والعبودية. لكن عبور الأردن لم يكن أمراً سهلاً بل تطلب تدخلاً إلهياً مباشراً أزاح فيه الرب مياه النهر (يشوع 3: 5-8، 14-17) بطريقة مشابهة للطريقة التي انشقت بها مياه البحر على يد موسى سابقاً، ومن ثم عبر الشعب عبر نهر الأردن نحو الراحة والخير، وانتقل الناس عبر نهر الأردن من رحلة التيه والضياع إلى حالة الاستقرار والرخاء.
ونتيجة لذلك لم يعد نهر الأردن في ذاكرة الشعب مجرد نهر يرسم حدوداً جغرافية فحسب، بل صار رمزاً لقصة خروج وعبور ثانية (بعد الخروج من مصر وعبور البحر)، صار الأردن جسراً ينقل بين العبودية والحرية، وصار طريقاً يقود إلى تحقيق وعود الله.
 نهر الأردن في ذاكرة الشعب ليس مجرد مياه جارية فحسب، بل هو جسر يحمل العابر من الأسر إلى الإطلاق، ومن حالة الموت والضياع في البرية إلى حالة الحياة والفرح في أرض تفيض بالخيرات.
نهر الأردن هو قفزة نحو الحياة التي لا تقدر قدرة بشرية أن تحققها وقفزة نحو الخلاص الذي لا يمكن لإرادة بشرية أن تمنحه، بل وحده تدخل الله المباشر والفعلي في حياة الشعب هو من يحقق هذا.
 
* أراد يوحنا للناس أن يستذكروا مجدداً هذه الحقيقة الإيمانية: (أن الله وحده من يحقق الخلاص والحرية لشعبه)، لذلك أعادهم إلى تلك النقطة التي اختبر فيها آباؤهم وأجدادهم عمل الرب في حياتهم، أعادهم إلى نهر الأردن حيث كانت قدرة الله وحده من عبرت بالشعب من حالة العبودية إلى الحرية.
لقد كان عنوان رسالة المعمدان معمودية التوبة لمغفرة الخطايا في نهر الأردن بقليل من الماء، في نفس الوقت الذي كانت فيه المنظومة الدينية اليهودية تصر أن مغفرة الخطايا تتم في هيكل أورشليم بواسطة الكهنة عن طريق الذبائح الحيوانية، ولذلك فقد ذكّر يوحنا الناس بتوجهيه أنظارهم نحو نهر الأردن بعيداً عن الهيكل بأن الرب هو من يغفر الخطايا وهو يمنح التوبة والحرية والحياة الجديدة وليس المنظومات الدينية، فرحلة الحرية تمر عبر البرية كما فعل الرب سابقاً في رحلة الخروج (والبرية هي ذلك المكان الخالي من أي شيء يمكن الاعتماد عليه سوى الله وحده)، ورحلة العبور نحو الخلاص والراحة تمر من مياه الأردن التي لا يقدر أن يشقها أحد سوى الله الذي يشقها ويعبر بنا من خلالها.
 
إن الرحلة نحو برية نهر الأردن التي تقّصّد يوحنا أن يدعو الشعب لكي يعيشها هي رحلة العودة نحو الرب، رحلة إعلان الثقة المطلقة والحصرية بصلاحه وخلاصه بعيداً عن كل واسطة أو وسيط، إذ يكفي بعض الماء الجاري وليس الذبائح لتغفرَ الخطايا، فمن يغفرُ هو الرب الذي يُجْري المياه ويشقها وليس الكاهن أو دم الذبيحة، والرب وحده الذي منح شعبه حياة جديدة بعبور الأردن من قبل هو وحده الرب الذي يمنح شعبه خلاصاً وتوبة وغفراناً وحياة جديدة اليوم.
عند نهر الأردن تنطلق الحرية حيث لا مؤسسات دينية بل فقط مياه جارية تجري بعمل الرب، وعند نهر الأردن يعبر الناس نحو الحياة حيث لا كهنة ولا ووسائط بل وحده عمل الرب الصافي.
 
قد كانت إرسالية يوحنا في الدعوة للعودة نحو الرب مباشرة وإعلان الثقة المطلقة بصلاحه والاعتماد عليه ومنه، مقدمة لإرسالية يسوع.
فكما حمل موسى رسالته وسلمها بالقرب من نهر الأردن ليشوع ليتابع الطريق، وكما حمل إيليا رسالته وسلمها عند الأردن لأليشع ليتابع الطريق (2 ملوك 2: 6-15)، كذلك فإن إيليا المزمع أن يأتي -يوحنا- سيسلم رسالته عند الأردن لآخر يتابع الطريق.
تسلّم يسوع الراية من يوحنا وقد مهد له الطريق، وبدأ يسوع في إرسالية جديدة من إعلان الثقة المطلقة بصلاح الله، إرسالية ستنهي حتى دور الماء في المغفرة وتربطها بشخص الروح القدس مباشرة “أنا أعمدكم بماء، أما هو فسيعمدكم بالروح القدس”. في إرسالية يسوع ليس الأردن والحرية التي يرمز لها مجرد مكان جغرافي ينبغي الذهاب إليه للاعتماد في مياهه، بل صار النهر وحريته ورمزية عبوره مجمعاً كله في ملكوت الله الذي ليس له مكان في جغرافيا محددة، بل في قلب الإنسان وفكره.
 
قد وجه يوحنا المعدان أنظار الشعب نحو نهر الأردن حيث منح الرب -وليس الكهنة ولا الهيكل ولا الذبيحة- الحرية للشعب، ومهد بذلك الطريق ليسوع كي ينطلق من الأردن ليصنع بشخصه حرية تعبر الجغرافيا وتتجاوز الحدود.
كان يوحنا صوت الرب الصارخ وسط ضجيج العالم، كان يمهد طريق الرب الذي سيمر صانعاً خلاصاً من جديد ومانحاً حرية، وقد عاش يوحنا حاملاً إرساليته حتى المنتهى، فهل نحمل معه رسالة الرب ونعد الطريق له ليدخل في قلوب الناس أم نكون حجر عثرة تحاول إعاقة الرب وعرقلة وصوله؟
وكيف نعرقل وصول الرب؟ حين نعود للتعلق بالطقوس والمظاهر والشكليات وننسى أن الحرية من عمل الرب وحده الذي يشق المياه ويعبر بنا حتى في برية الموت والتيه.
 
 
    

اترك تعليقاً