إله عنيف أم إله نعمة؟ – القس د. هادي غنطوس

القس د. هادي غنطوس

أمين سر لجنة الشؤون الكنسية والروحية

راعي الكنيسة الإنجيلية الوطنية في منيارة - عكار

مما لاشك فيه أنك إذا ما أجريت استفتاءً في الكنيسة، وربما خارجها، عن الصورة الأهم لله في العَهْد القديم، فَإِنَّ الإجابة الَّتي ستتفوق على جميع الإجابات الأخرى وبشكل كبير جداً هي صورة الإله العنيف. فكما ذكرنا أعلاه، مما لا شك فيه أيضاً بِأَنَّ العَهْد القديم لديه سمعة أَنَّهُ كتاب مليء بالعُنْف، بما في ذلك، وعلى رأس ذلك، عُنْف الله، في حين أَنّ العَهْد الجديد وإله العَهْد الجديد عادة ما ينظر إليهما على أنهما غير عنيفين، رغم أن العَهْد الجديد مليء بالكلمات والأفعال العنيفة. بالإضافة إلى ذلك، مما لا شك فيه أيضاً أن رفض إله العَهْد القديم العنيف لدى المسيحيين يعكس الرغبة بالتركيز على صورة إله المحبة والنعمة والسلام في العَهْد الجديد، والتأكيد عليها في مواجهة، لا بل ومِنْ خلال مواجهة، “نقيضتها” في العَهْد القديم.

ودعونا نشير هنا إلى حقيقة أَنّ الأسئلة حول عُنْف الله في الكتاب المقدس بشكل عام، والعَهْد القديم بشكل خاص، ليست جديدة. فمنذ القرن الثاني الميلادي تصارع مارسيون (ماركيون) مع تلك المشكلة وقرر أَنْ يحذف العَهْد القديم بكامله بالإضافة إلى أجزاء كبيرة مِنَ العَهْد الجديد. ولعل السبب الأهم لقيام مارسيون بذلك هو صورة الإله العنيف في تلك النصوص. واتبع الكثيرون خطى مارسيون على مر العصور في رفضهم للعهد القديم بسبب ما اعتبروه صورة الإله العنيف فيه.

ومما لا شك فيه بأن فكرة الله كقاضي وديان هي إحدى أوضح الصور لله في العَهْد القديم، وأن العَهْد القديم يتضمن العديد مِنَ النصوص الَّتي ترسم صورة عنيفة، لا بل ومرعبة لله؛ الأمر الذي لا يستطيع أي أحد انكاره. فالإله الذي يمسح العالم بطوفان رهيب، ويعاقب، لا بل ويميت، كُلَّ مَنْ لا يطيعه (تكوين 6—8)، ويدعو إلى مذبحة رهيبة للشعوب الَّتي تسكن الأرض الَّتي يعلنها ميراثاً لشعبه “المختار” (يشوع)، هو إله أقل ما يقال فيه أَنَّهُ عنيف ومرعب. ومثل هكذا صورة لله تعني أَنّ العلاقة به هي علاقة خوف، كون الإنسان خاضع، في كُلِّ وقت، لمجهر مراقبته ودينونته الَّتي لا ترحم.

لا بل إنَّ هذه الصورة المَبْنِيَّة على الخوف لهذا الإله المرعب هي صورة تُقَدِّم إلهاً مضطرباً إنْ لم يكن مريضاً نفسياً، يطالب الإنسان بِأنْ يكون شخصاً ملتزماً ومتزناً، في حين أَنَّهُ هو يعاني مِنْ اضطرابات نفسية مرعبة. وتقود هذه الصورة كُلَّ مَنْ يتبناها إلى اختيار أحد خيارين اثنين، إما الخضوع لمثل هكذا إله على حساب العقل والمنطق، أو رفض هذا الإله وكُلُّ ما يرتبط به.

لَكِنَّ المشكلة هي في كيفية فهم هذه الصورة والتعامل معها. فالعَهْد الجديد، الذي مِنَ المُفتَرَض أَنَّهُ عهد نعمة، يَرْسُمُ صورة إله المحبة ويتضمن العديد مِنَ النصوص الَّتي ترسم صورة عنيفة ومرعبة لله. فأليست صورة الإله الذي يميت حنانيا وسفيرة، وكلاهما مِنْ  أتباعه، لمجرد قيامهما بكذبة واحدة (أع 5: 1-11)، صورة مرعبة إلى أقصى الحدود؟ وأَلا ا يُقَدِّم العَهْد الجديد في نصوصه عن الجحيم صوراً لعنفٍ أبديٍ يكون الله فاعلاً فيه بشكل واضح (مت 13: 36-50؛ رؤ 14: 9-11…)؟

المشكلة ببساطة هي أنَّنا نتعامل مع الكتاب المقدس، بعهديه، بطريقة حرفية هي أبعد ما تكون عن طبيعة ذلك الكتاب. فالكتاب المقدس ليس تسجيلاً “حرفياً” لأحداث “تاريخية”، ولكنه كتاب لاهوت وشهادة إيمان لفهم شعب الله لإلهه ولحياته برفقة ذلك الإله في ظروف وخلفيات لاهوتية وتاريخية وأدبية مختلفة. كُتِبَتْ نصوص الكتاب المقدس لتساعدنا على فهم وتفسير واقعنا وحياتنا في زمن وظروف وخلفية لاهوتية وأدبية معينة. ويجب أَنْ  نُدْرِكَ هنا أَنّ مَنْ كتبوا الكتاب المقدس لم يكتبوا قصصاً حرفية، ونحن اليوم أذكياء كفاية لنقرأها بطريقة رمزية، ولَكِن على العكس مِنْ  ذلك تماماً، هم كتبوا قصصاً رمزية، ولَكِن نحن أغبياء كفاية لنقرأها بطريقة حرفية. وتلك القراءة الحرفية للكتاب المقدس تمنعنا مِنْ  إِدراك المعنى الحقيقي لنصوص الكتاب المقدس مِنْ خلال تقديم فهم محدود جداً لنصوص عميقة وذات أبعاد مختلفة لا يُمْكِن إدراكها إلاَّ بقراءتها بطريقة رمزية. وتلك هي المشكلة الحقيقية الَّتي تقف خلف صورة الإله العنيف الذي يعاقب مَنْ يكسر وصاياه عقاباً شديداً ومرعباً في العَهْد القديم.

وبالتالي، فالقراءة الحرفية للعهد القديم، تقود للفشل في إِدراك خلفية تلك الصورة العنيفة لله وتبنيها بشكل أعمى، يجعل مِنَ الله إلهاً عنيفاً معاقباً في تبنٍ لصورة الأب العنيف الذي يؤدب أولاده بلا رحمة، فيطرد مثلاً كُلَّ الجنس البشري مِنْ  جَنَّةِ عَدْن كعقاب لخطيئة وعدم طاعة جديه الأولين، آدم وحواء. لَكِنَّ قراءة تلك الصورة وتفسيرها بشكل رمزي يجعل مِنْ  قِصَّةِ السقوط مثلاً، كما سنرى في حلقة لاحقة، قِصَّةً رمزية للواقع الذي يعيشه كُلُّ إنسان عندما يَبْلُغُ سِنَّ البُلُوغ والنضوج ويخرج مِنْ  “جنة” أهله لمواجهة الواقع الصعب للحياة ويحاول أَنْ يجعل مِنْ  نَفْسِهِ إلهاً على حياته.

فلفهم الصورة العنيفة لله في العَهْد القديم علينا أَنْ نُدْرِكَ بِأَنَّ العَهْد القديم قد كُتِبَ في فترة ما بعد السبي والعودة مِنَ السبي، وأَنّ يهوذا كانت حتى قَبْلَ السبي عبارة عن مملكة صغيرة وضعيفة في وسط ممالك وامبراطوريات عظيمة كالآشوريين والبابليين والفراعنة والآراميين. وبالتالي، فصورة هذا الإله الجَبَّار العظيم والمُرعِب الذي يتَّخذ مِنْ  إِسْرَائِيلَ شعباً مختاراً له ويَعْدُهُ بِأَنْ يجعل منه أمة عظيمة ومملكة مترامية الأطراف ويعطيه أرض كنعان ملكاً أبدياً على حساب كُلِّ الأمم الأخرى، ويُعاقَب مِنْ شعبه بسبب عدم أمانته، إنما جاءت لتسمح لإِسْرَائِيلَ بمواجهة تلك الممالك والامبراطوريات العظيمة ولتفسر سقوط مملكتي إِسْرَائِيلَ ويهوذا ودمار أورشليم والهيكل. ويجب أَنْ نُدْرِكَ بِأَنَّ ذلك المفهوم وتلك الصورة كانتا الحل اللاهوتي الوحيد في ظل تبني نقطتين أساسيتين، هما: (1) الاعتقاد الذي كان سائداً في الشرق الأدنى القديم، بِأَنَّ الآلهة تُسْيطِر على كُلِّ شيء، وأَنّ خسارة شعب ما للحرب ضد شعب آخر تعني بِأَنَّ إلَه الشعب المنتصر قد هزم إلَه الشعب المهزوم؛ و(2) تطور مفهوم وحدانية الإله في اليهودية في مرحلة ما بعد السبي والإيمان بِأَنَّ يهوه هو الإله الوحيد في كُلِّ الكون. وبالتالي، فإذا ما كانت الآلهة مسؤولة عن انتصار أو سقوط شعب ما، وإذا ما كان يهوه هو الإله الحقيقي الوحيد في الكون، يكون يهوه هو المسؤول عن سقوط إِسْرَائِيلَ، ويكون ذلك السقوط عقاباً مِنْ يهوه لشعبه بسبب عدم أمانته.

بكلمات أخرى، صورة الله العنيف في العَهْد القديم هي ليست تسجيلاً حرفياً لعمل إلهي في التاريخ، ولكنها صورة تعكس فهماً لاهوتياً معيناً ينتمي إلى خلفية تاريخية وجغرافية ولاهوتية وأدبية معينة يحاول كُتّاب العَهْد القديم مِنْ  خلالها تقديم فهمهم وتفسيرهم للواقع الذي يعيشونه ويختبرونه في ضوء فهم لاهوتي معين. فعقاب الله لشعبه بدمار أورشليم والسبي هو تفسير لاهوتي لكُتّاب العَهْد القديم، أو بالأصح لبعضهم، لدمار أورشليم والسبي في ضوء إيمانهم بِأَنَّ يهوه هو الإله الحقيقي الوحيد، وبالتالي، أَنَّهُ المسؤول عن ذلك. وتدمير الله لأعداء شعبه هو تفسير لاهوتي ينطلق مِنْ  نفس القناعات اللاهوتية. والصور المستخدمة في كلا الحالتين هي صور أدبية تنتمي إلى خلفية معينة تحاول أَنْ تَعْكس ذلك التفسير. ولَكِن للأسف نحن نأخذ تلك الصور بشكل حرفي وبمعزل عن كُلِّ سياقها الأدبي واللاهوتي والتاريخي. كما أنَّنا وللأسف نفشل في ‏إدراك أَنّ العَهْد القديم نفسه يرد على تلك القناعات، ذلك التفسير، وتلك الصور.

يُقَدِّم العَهْد القديم اللاّعنف على أَنَّهُ قصد الله، فالصور الرئيسية للأزمنة الأُخْرَوِيَّة في العَهْد القديم هي صور سلام ولا عُنْف يمتد ليشمل كُلَّ الخليقة (إش 2: 2-4؛ 65: 17-25…)؛ الأمر الذي يعني بِأَنَّ العُنْف هو أمر غير مرغوب فيه ودخيل على خليقة الله.

كما أَنّ استخدام الله للعنف يأتي دائماً في سياق أمرين مرتبطين، هما الدينونة والخلاص. وكثيراً ما يأتي نفس الحدث في خدمة الاثنين معاً. فالعَهْد القديم يُقَدِّم غضب الله ليس كغاية بحد ذاته، ولكنه يأتي دائماً في سياق خدمة قصد الله الخلاصي لخليقته. يأتي غضب الله في سياق تعاطفه مع المتألمين، ليعلن تحرير العبيد مِنْ ظالميهم (خر 15: 7) والأبرار مِنْ أعدائهم (مز 7: 6-11)، والمساكين والمحتاجين مِنْ  مستغليهم (خر 22: 21-24) وشعبه مِنْ أعدائهم (إش 30: 27-33). بكلمات أخرى، غضب الله هو إعلان أخبار سارة للمتألمين وأخبار سيئة لظالميهم. بالإضافة إلى ذلك، يَهْدِفُ التحذير مِنْ غضب الرَّبّ للقيادة إلى التوبة واصلاح علاقة الإنسان بالله (حز 7: 27؛ 36: 22-23).

و تَضُمُّ اللغة العبرية الكتابية حوالي عشرة تعابير مختلفة لموضوع “الغضب”. ورغم أَنَّهُ يتم ترجمة هذه الكلمات بطرق وتعابير مختلفة، لكنها تعكس جميعها في العمق نفس المفهوم وتريد أَنْ  توصل ذات الفكرة، كما هو الحال مثلاً في إر 21: 5. والتعابير المستخدمة للإشارة إلى غضب الله تظهر حوالي 500 مرة في 380 سياق مختلف في العَهْد القديم، وتقريباً في كُلِّ سِفْر مِنْ أسفاره، رغم أَنّ نصفها تقريباً يظهر في أسفار الأنبياء وسِفْر المزامير.

و مِنَ المهم أَنْ نُدْرِكَ هنا أَنّ العَهْد القديم يَسْتَخْدِمُ نفس التعابير لغضب الله والغضب الإنساني، في إشارة إلى أَنّ كُتّاب النص يتعاملون مع الغضب الإلهي بشكل مُوازٍ ومُقارَن مع الغضب البشري. كما أَنَّهُ  مِنَ المهم أَنْ نشير هنا إلى أَنّ جميع حالات الإشارة إلى غضب الله في العَهْد القديم ترتبط بتحديد سبب لذلك الغضب، سواء بشكل مباشر أو في الاطار العام، وسواء كان ذلك السبب مناسب أو غير مناسب لتبرير غضب الرَّبّ، باستثناء حالتين شهيرتين لا ترتبطان بسبب يبرر غضب الله وتوجدان كلتاهما في سِفْر صموئيل الثاني، هما 2 صم 6: 6-7 (مقتل عزة بن أبيناداب عند امساكه لتابوت العَهْد لمنعه من السقوط خلال نقله مِنْ  عجلة يهوذا إلى أورشليم) و2 صم 24: 1 (دفع الرَّبّ لداود لإِحصاء الشعب ومِنْ  ثم عقابه له بسبب قيامه بذلك!!! القصة الَّتي تقوم 1 أخ 21: 1 بتعديلها لجعل الشيطان هو المسؤول عنها).

وفي ذلك السياق، يأتي العُنْف الإلهي دائماً تقريباً مرتبطاً بخطئية الإنسان. يَرْتَبِطُ غضب الله بالحرية الَّتي يتمتع بها الإنسان، فغضب الله يأتي نتيجة لرفض الإنسان لمشيئة الله، وبالتالي، فذلك يعني قدرة الإنسان على مقاومة مشيئة الله، وإلا لما كان لغضب الله معنى لو لم يكن هناك إِمكانيّة لمقاومة مشيئته. بكلمات أخرى، لو لم يكن هناك عُنْف بشري لما كان هناك غضب ودينونة إلهيين، كثيراً ما يأخذان شكل عُنْف إلهي، خصوصاً في حالة ظلم المساكين والضعفاء والمهمشين. وكثيراً ما يمثل عُنْف الله الوسيلة الَّتي يتحرَّر فيها شعبه مِنَ العُنْف البشري. إلى جانب رحلة خطيئة إِسْرَائِيلَ ودينونتها، يتضمن العَهْد القديم خطاً يحمل الدينونة للمُتجبِّر والمتعظِّم والظالم ونُصْرة وحياة أفضل للمسكين والمُهمَّش والضعيف، في إِظْهار للطبيعة الخلاصية لدينونة الله.

بكلمات أخرى، يأتي اِستِخدام الله للعُنْف كأمر لاَ مَفَرَّ مِنْهُ في عالم مليء بالعُنْف بهدف رفع العُنْف البشري وإزالته لتحقيق قصد الله بقيادة خليقته لنقطة لا يعود هناك فيها وجود للعُنْف بكُلِّ أشكاله. يختار الله أَنْ يكون متدخلاً في العُنْف كَيْلا يسمح للشر بأَنْ يكون له الكلمة الأخيرة. في كُلِّ شيء، بما في ذلك العُنْف الإلهي، يَطْلُبُ الله أَنْ يحقق مقاصده المحبة. وبالتالي، فلا يمكن فصل دينونة الله في العَهْد القديم عن محبة الله ورحمته.

و مِنَ المهم أَنْ نشير هنا إلى أَنّ العَهْد القديم يُقَدِّم صورة إلَه مستعد ومنفتح للعودة عن غضبه استجابة لوساطة شخص ما، صلاة شخص ما، أو فعل شخص ما، أو حتى إعادة تقييم الله نفسه للوضع. لا يَتْبَع الله في العَهْد القديم نموذج محدد بدقة وثابت في الثواب والعقاب. فالله هو إلَه طويل الروح وكثير الرحمة، لا تحكمه دينونته أو حتى قوانينه (مز 103: 10). الله في العَهْد القديم لا يسر بالدينونة (مرا 3: 33) أو بموت الشرير (حز 18: 23، 32)، فغضبه إنما هو إلى لحظة، أما محبته فأبدية (إش 54: 7-8؛ إر 31: 3؛ مي 7: 18).

وبالتالي، فنعمة الله وغضبه هما وجهان لعملة واحدة لا يمكن فصلهما عن بعضهما في فهمنا لله في العَهْد القديم، ولَكِن نحن للأسف نركز على الغضب ونهمل النعمة. وفي ذلك السياق، مِنَ المهم أَنْ   نُدْرِكَ هنا أَنّ اعتبار العُنْف على أَنَّهُ الصورة الأهم لله في العَهْد القديم هو أمر فيه الكثير مِنَ المحدودية والتجني. فالله في العَهْد القديم هو إلَه يتجاوز المقاييس البشرية. والله في العَهْد القديم هو الإله الذي يخلق ويبارك. يَبْدَأ العَهْد القديم بإعلان لاهوتي أساسي وهو أَنّ الله، إلَه إِسْرَائِيلَ، هو إلَه وخالق الكون بأسره، الذي يخلق الخليقة، ويباركها (تك 1: 22، 28؛ 9: 1، 7). والله في العَهْد القديم هو الإله الذي يدعو أبو المؤمنين ابراهيم والآباء الأولين ليسيروا رحلة إيمان برفقته ويباركهم، وذلك كفعل نعمة خالص (تك 12: 1-3؛ 22: 18؛ 28: 14). والله في العَهْد القديم هو الإله الذي يخلص شعبه مِنَ العبودية في مِصْرَ (خر 3: 1-11؛ 15) كما مِنَ السبي في بابل (إش 41: 2-4، 25؛ 44: 22—45: 13). والله في العَهْد القديم هو الإله الحي والفاعل في حياة شعبه والمتفاعل معه مِنْ  خلال الأنبياء.

قصة العَهْد القديم هي قصة نعمة. فالعَهْد القديم يَبْدَأ بقصة إلَه يخلق الكون كفعل نعمة؛ ويدعو الله في العَهْد القديم ابراهيم بسبب نِعْمَته هو؛ ويختار الله في العَهْد القديم يعقوب لا لاستحقاق فيه ولَكِن كفعل نِعْمَة ؛ ويختار الله في العَهْد القديم إِسْرَائِيلَ ويخلصها مِنَ العبودية كفعل نِعْمَة ؛ وحتى عندما يتوه الشعب في البرية أربعين سنة كعقاب مِنَ الله، فإن الله يرافقه في رحتله تلك نهاراً وليلاً، كفعل نِعْمَة أيضاً. الخليقة بحد ذاتها هي فعل نِعْمَة، واختيار الآباء هو فعل نِعْمَة، وقصة العبور والخروج وخلاص إِسْرَائِيلَ واتخاذها شعباً لله هو فعل نعْمَة. لَكِنَّ تلك القصة تتضمن عنصراً واضحاً وقوياً جداً مِنَ الدينونة بسبب رفض الله للخطيئة والشر.

بكلمات أخرى، النِعْمَة هي بُعْد هام جداً في فهم الله في العَهْد القديم. ولعل أهم صور الَّتي تتجلى تلك بها تلك النِعْمَة في العَهْد القديم وتلعب دوراً أساسياً ومحورياً في العَهْد الجديد وربط العهدين ببعضهما هي صورة الله كأب.

حيث أَنّ هناك 16 موضعاً حيث يدعى الله ب”أب” في العَهْد القديم (تث 32: 5؛ 2 صم 7: 14؛ 1 أخ 17: 13؛ 22: 10؛ 28: 6؛ 29: 10؛ مز 68: 5؛ 89: 26؛ 103: 13؛ أم 3: 12؛ إر 3: 4-5، 7-8؛ 31: 9؛ إش 63: 16 ]مرتان[؛ 64: 8؛ ملا 1: 6؛ 2: 10). لَكِنَّ مفهوم أبوة الله يتجاوز الإشارة المباشرة إلى ذلك في النصوص أعلاه. فالعديد مِنَ النصوص الأخرى، وإن كانت لا تذكر كلمة أب بشكل مباشر، إلا أنها تعتبر أَنّ العلاقة بين الله وإِسْرَائِيلَ هي علاقة أب-ابن يتصرف فيها الله كأب محب (خر 4: 22؛ تث 14: 1؛ إش 45: 11؛ إر 31: 9؛ هو 11: 1).

الله الأب كمخلص لكُلِّ إِسْرَائِيلَ الذي يُحرِّر شعبه مِنَ العبودية ويصنع منه ابناً له، والذي يدعو شعبه بالمقابل لكي يعبده ويخدمه (خر 4: 22؛ لا 25: 38، 42-43، 55؛ تث 1: 31؛ 32: 10-12؛ مز 107…). ودعونا نشير هنا إلى أَنّ العَهْد القديم يَسْتَعْمِلُ لغة ترتبط بمفهوم الخليقة في تعبيره عن مفهوم خلاص الله لابنه إِسْرَائِيلَ. فالله هو مَنْ يؤسس و”يخلق” إِسْرَائِيلَ ويصنع منه شعباً وابناً له (خر 14؛ إش 63: 16؛ 64: 7-8…). عندما يخلص الله إِسْرَائِيلَ  مِنَ العبودية في مِصْر يصبح الله كأب إِسْرَائِيلَ وإِسْرَائِيلَ كابن لله. وبالتالي، فأبوة الله إِسْرَائِيلَ في العَهْد القديم مرتبطة بفعل الله الخلاصي في حياة شعبه، المدعو بالمقابل لطاعة الله وخدمته؛ الأمر الذي كثيراً ما تفشل إِسْرَائِيلَ في تحقيقه.

لا يدعو الله في العَهْد القديم إِسْرَائِيلَ ويختارها ويتخذها ابناً وشعباً له بسبب بِرّ وأمانة إِسْرَائِيلَ، ولَكِن بسبب بِرّ وأمانة الله شخصياً (تث 9: 5-6…). خلاص الله إِسْرَائِيلَ وبُنوّتها له ترتكز على مبادرة الله وتحقيقاً لقصده في إعلان خلاصه لكُلِّ الخليقة؛ وإِسْرَائِيلَ بدورها يجب أَنْ  تتجاوب مع تلك المبادرة بطاعة الله وتنفيذ وصاياه وإعلان حُبِّهِ ومَجْدِهِ أمام الأمم وتقديم مثال حي لها (خر 9: 16؛ تث 4: 6-8؛ مز 2؛ 103؛ إش 52: 10…). الله يدعو إِسْرَائِيلَ بابنه البِكْر (خر 4: 22؛ إر 31: 9…)؛ الأمر الذي يفتح الباب أمام تبَنّي الله لأمم أخرى كأولاد آخرين له وإخوة إِسْرَائِيلَ. في النهاية، أبوة الله لشعبه وخلاصه له هي علاقة تتجدد دائماً بنِعْمَة الله ورحمته رغْمَ عدم أمانة الشعب وفشله في الاستجابة لدعوته (مز 103: 6-14؛ إش 64؛ إر 31: 8-9…).

خاتمة

رغْمَ الصورة النّمطيّة الشائعة المُلْتَصِقَة به كصورة إِله عنيف ومُرعِب، يُقَدِّم العَهْد القديم صوراً متنوعة لله تَبْدَأُ وتدور جميعها في فَلَكِ إِله النعمة، الذي يخلق ويدعو ويختار ويرافق ويخلص بنِعْمَته. ويقوم العَهْد القديم بتقديم كُلِّ ذلك مِنْ خلال صور أدبية غَنِيَّة تَعْكِسُ الخلفية اللاهوتية والتاريخية والأدبية الَّتي كُتِبَتْ بها وترفض كُلَّ قراءة حرفية لها، لأَنّ مثل هكذا قراءة تتناقض وطبيعة تلك الصور والنصوص الَّتي تقدمها.

صورة الإله العنيف في العَهْد القديم هي تفسير لاهوتي إيماني لما اختبره وعاشه شعب الله في ضوء إيمانه بأَنّ الله هو الإله الحقيقي الوحيد للكون وتعبير لاهوتي إيماني عن رفض هذا الإله للشر والخطئية. لَكِنَّ تلك الصورة ليس حقيقة الله، كما أنها ليست الصورة الوحيدة لله في العَهْد القديم. فالعَهْد القديم، كما رأينا في هذه الحلقة، وكما رأينا بوضوح في سلسلة مقدمات أسفار العَهْد القديم، يتضمن خط نعمة واضح وصارخ يقدم الله على أَنَّهُ إله النعمة للكون بأسره. ومفهوم النعمة ذلك هو المفهوم الذي يتبناه ويعلنه يسوع المسيح، الذي يكشف لنا في ذاته جوهر الله كإله نعمة ومحبة تبذل حتى ذاتها لتعطي حياة وحياة أفضل للكون بأسره.

يقدم العَهْد القديم مفهوماً غنياً لله، الذي يرفض الشر ويحاربه انطلاقاً مِنْ  محبته واهتمامه بالمسكين والضعيف والمهمش، ولَكِنَّ الكلمة النهائية هي لنعمته المخلصة. ويقدم العَهْد القديم صورة إِله يدعو شعبه ليختبر محبته المخلصة الَّتي تصنع منه ابناً له، ويتجاوب مع تلك النعمة بأَنْ  يحمل رسالته ويمجد اسمه أمام كُلَّ الأمم.

وتلك هي الرسالة الَّتي يتحدانا بها العَهْد القديم اليوم. يدعونا العَهْد القديم اليوم، نحن الذين ندعي أنَّنا شعب الله، لا بل ونحمل اسم ابنه الوحيد، كَيْما، مِنْ جهة أولى، نُدْرِكَ أَنّ صورة الإله العنيف في العَهْد القديم إنما هي انعكاس لخطيئتنا وعنفنا وضعفنا ورغباتنا نحن، والَّتي نقوم بإسقاطها على الله، وكَيْما، مِنْ جهة أخرى، نختبر خلاصه وعمل نِعْمَته في حياتنا ونشهد لمحبته لكُلِّ مَنْوما حولنا.

4+

One thought on “إله عنيف أم إله نعمة؟ – القس د. هادي غنطوس”

اترك تعليقاً