الانحدار الإلهي (القس أديب عوض)

“يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَرَجَ، وَإِلَى اللهِ يَمْضِي، قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا، ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَل، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا.”
ما من تعبيرٍ في مدحِ معلّمٍ أصدقَ من أن يُقال إنه استطاع أن ينزل إلى “مستوى الطفل” من دون أن يتنازل؛ أن يرى بعين طفل؛ أن يجتلي أمراً ما كما يجتليه طفل؛ أن يقف بجانبه ويعضده في رحلةِ تعلّمه … هذا هو المعلّم العظيم! فأعظم كسبٍ يحقّقه المعلم ليس مُرّتباً كبيراً، أو أوضاع عمل جيدة (مع أننا لا نحتقر أيّاً منها)، بل هو إشراقةٌ في عين طفل وهو يردّد: “هلّق فهمتا . . . ما دارِتْلي من قبل”.
لقد قضيتُ جُلَّ خدمتي في الرعاية؛ لكنني أعتبر نفسي معلِّماً في الدرجة الأولى. القس هو شيخٌ معلِّم؛ وكل من يحاول أن يعظ يجب أن يبتغي التعليمَ أوّلاً. العظة من دون تعليم لا تساوي كثيراً.
لكن، أكنتَ تعلّم أطفالاً صغاراً، أم طلاباً تكميليين، أم طلاباً جامعيين، أم صفَّ عقيدة، أم أمام رعيّة، مشكلتُك في الجوهر هي: “كيف تواكبُ سامعيك؟ كيف تساعدُهم بما فيه الكفاية ليجتلوا ناحيةً ما من الحقيقة يهمّك توضيحُها لهم؟”.
وليس صاحبُ الدرجات العلمية العُليا هو بالضرورة المعلم الناجِح في هذه المضمار. أعرِفُ معلّمين عباقرة حائزين أعلى الشهادات (واحدٌ منهم علّمني في المرحلة الثانوية)، أخفقوا في التَعليم. طبعاً، مَن منّا لا يودّ الحصول على أعلى الشهادات!! لكنني واثق أن المعلّم الذي يتعامل برؤية حقيقية ووُكْدٍ مُخلص مع ما سمّيتُه (أعلاه) “مستوى الطفل”، هو مَنْ سيحصُد النجاحَ في سعيه الـمُمْتِع … والمتطلِّب.
كنتُ دائماً مهتماً باستيعاب حقيقة “انحدار الله في المسيح” ومضامينه وإسقاطاته وفاعليته. أستخدم كلمة “انحدار” من دون أية مفاهيم سلبيّة. هتفت الجوقةُ في الكنيسة:
جُندُ السماءِ في العُلا                    غنّى بألحانِ الطربْ
إبنُ العليِّ تمثّلا                           من جنسنا، يا لَلْعَجبْ!
زارنا طفلاً وديع قدرُه رفيعْ               كلُّ ذا الصنيع . . . حبّاً لنا
حبّه حبٌّ عجيبْ                    ترك العرشَ المجيدْ من أجلنا
كما يطيب لنا في ذكرى ميلاده أن نهيم حبّاً له ونحن نرنّم:
تاركاً مجدَ عُلاهُ                        وترانيمَ الصَّفا
أشرقت شمسُ سناهُ                   بجناحَيها الشِّفا
فهلمّي يا برايا                        وارفعي صوتَ المديحْ
هوذا الماحي الخطايا                 ربُّنا الفادي المسيحْ
وفي الختام ـــ بكلماتٍ من نور، ولحنٍ من أزل ــ ستنثر الجوقة عَبَقَ قلبِ الآب:
تجلّى الإلهُ القديمُ الأحدْ             لهذا الورى في رِداء الجسدْ
أنار البرايا فهذا الولدْ                 عجيبٌ، كما قال وحيُ الصَّمَدْ
كُتب الكثير في أواخر القرن الماضي عن استعمال “اللّغة المكانيّة” عند الكلام عن الله … و “ضرورة توخينا الحذر، فلا نَحُدَّ اللهَ في صيغة مكانية” (فوقي ـــ أمامي ــــ إلى جانبي ـــ عن يميني – في قلبي … إلخ). لستُ في وارد الولوج (لاحظوا أن  “الولوج” هي لغة مكانية أيضاً!) في سجالٍ من هذا القبيل؛ لكنني لا أرى أين الخطأ في استعمال هذه اللغة ونحن مخلوقات نعيش في المكان والزمان!! أو أيٌّ منّا يشعر بالإحراج، أو الخطأ، عندما يقول “فلان طلع من الصف السابع إلى الصف الثامن”؟ هل الانتقال من صف إلى صف أعلى هو انتقال إلى أعلى مكاني!؟ أم أن هذه ـــ اللغة المكانية ــــ ضرورةٌ كلامية!! مفاهيم!!
عندما نقول إن الله نزل إلى أرضنا نعني ــــ من بين ما نعني ـــ أنه يريد أن يوصل إلينا أمراً في غاية الأهمية. عند الله أمرٌ في غاية الأهميّة يريدُ إيصالَه إلينا؛ ولتحقيق ذلك لا مفرّ من أن ينحدر إلى مستوانا، يرى بعيوننا، يقف إلى جانبنا، يشاركنا في أعمق اختباراتنا. فقط بهذه الطريقة يمكن لله أن يعلّمنا ما في ذهنه. فقط بهذه الطريقة يمكن لله أن يكون لنا ما هو هو منذ الأزل … وإلى الأبد.
هذا هو إنجيل الله. قبل المسيح يسوع جاءت رسالةُ الله إلى البشر من خلال الأنبياء والكهنة والقادة. هؤلاء “حملوا” رسالةَ الله إلى الإنسان؛ لذا تُصِرُّ البشائر أن يسوعَ كان كلمةَ الله. فإذا أردتَ أن تنظرَ الله؛ إذا أردتَ أن تنظرَ قلبَ الله مكشوفاً وفكرَهُ بادياً، انظر إلى المذود: الله يكشف عن قدرته في صورة الضعف البشري:
هوذا في بيتِ لحمٍ                          وُلِدَ الفادي الكريمْ
ملكٌ صارَ حقيراً                           جاءَ كي يفدي الأثيمْ
فيه يُجلى سِرُّ حبٍّ                         فائقٍ في العِظَمِ
تنظرُ إلى المعمودية، حيث ـــ في أكثر بقعَةٍ انخفاضاً على وجه البسيطة ــــ نزل يسوع إلى الماء … ووقف معنا نحن الخطاة.
تنظر إلى كرازته على سهول الجليل ووهاده، وقد فاضت بالبَشَرِ المتألمين، القلقين، الجاهلين، التائهين، الخاطئين. هناك، معهم، قَضى يسوع جُلَّ سنوات كرازته الثلاث، يتصارع مع هذه المعضلات بالذات ـــ يشفي مرضى النفس والعقل والجسد، يواسي منكسري القلب، يُطلق المأسورين، ويرسل المنسحقين في الحريّة (لو 4: 18).
تنظره يغسل أرجلَ التلاميذ. أين في إنجيله الخالد يسمو يوحنا إلى هذه الأعالي كما يسمو في الآية التي اخترتُها لتأمّلاتي؟ “… يسوع، وهو عالمٌ أنّه من عند الله خرج، وإلى الله يمضي، … خلعَ ثيابَه، وأخذ منشفةً واتّزرَ بها، ثم صبَّ ماءً في مِغسَلٍ، وابتدأ يغسل أرجلَ التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متّزراً بها”. هنا نعاين الانحدار الإلهي على أرض الواقع. هنا ننظر الابن، الذي هو في الوقتِ ذاته الخادم، يعمل العملَ الوضيع (القذِر عند الأكثرين)، ويعمله بكل دَفْقِ النعمة الأزلية والحبّ.
تنظرُه على الصليب، حيث حمل في جسده أثقل الأحمال وصرخ، وهم يدقّون المسامير في يديه ورجليه: “يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون”.
تنظر قبره الفارغ، رمزَ الانتصار في المعركة المريرة الفاصلة، ينبعث منه النورُ والرجاء.
تنظر هذا كلّه: الانحدار الإلهي، وقوفَ “ابن الإنسان”، الذي هو ابنُ الله، معنا، وتقول: يسوع هو ما يريد الله أن يقوله لنا . . . حمداً لله.”
     إذ تنظرُ هذا الانحدار الهائل إلى مستوانا؛
         إذ تنظرُ ربَّنا الفادي واقفاً إلى جانبنا؛
ستبدأُ رحلةُ الفهم، كذاك الطفل الذي استجابَ ذهنُه لمثابرةِ معلّمه وتفانيه وإخلاصه، وقال: “هلّق فهمتا . . . ما دارتلي من قبل!”. وعندما تُشرق تلك اللحظة تكتسب الحياةُ معنىً جديداً؛ بل قل: تبدأ من جديد؛ أنتَ خليقة جديدة. وبدلاً من انغلاقك على نفسك، تبدأ بالانطلاق بحبٍّ له واستجابةٍ لدعواه، وبتوبةٍ أمامه، مردّداً كلمات النعمة “الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجلِ خلاصنا نزلَ من السماء”.
هذه هي رسالةُ المعلّم؛ ونحن ــــ على مثال السيد ـــ معلِّمون، في نهاية الأمر.
كما يشمل هذا أيضاً كلَّ من دُعي ليعلّم الصبيانَ والبنات في المدرسة الأحدية … أو أي مدرسة. ويقيني أن ماهيّة المعلم أهم كثيراً من أقواله ـــ في الصف أو خارجه. فإن كان المعلّم قد وجد سبيلَه إلى إيمانٍ حيّ، وكان قد تصارع مع مسألة التواصل بطريقة كالتي ذكرتُ، عندئذٍ ــــ أجزم ـــ لن يكون هناك حدود لما يمكن أن يحقّقه في حياةِ طلابه. لكن، للأسف، هناك حدود لتأثير المعلّم ــ حدود تُرسَمُ في البيت!
في غالب الأحيان يُفسِد البيتُ ما اكتسبه الطالبُ في المدرسة من بناءٍ لشخصيته وتدريب لذهنه. ما يتعلّمه الطالب في المدرسة من انضباط، وتهذيب، ودروس في الخدمة تخرّبه أجواءُ البيت، فيترعرعُ انفصامٌ في مفاهيمه بين المكانين اللذين يقضي فيهما جلَّ وقته. لا يستطيع أن يفهم. طبعاً، أحياناً تنعكس الأدوار بين المكانين ــــ ما يتعلّمه الولد في البيت يفسده ما يتعرض له في المدرسة ! وفي كِلتا الحالين العواقبُ وخيمة. الحقيقة هي أنه إذا قُدِّرَ للولد أن يبني حياته على أرسخ الأسس، يجب أن تتوفّر له ثلاث ضرورات:
  1. بيتٌ يُوقَّر فيه اسمُ الربّ؛ تُطاعُ أحكامُه ووصاياه؛ يُربّي الأهلُ فيه أولادَهم في طريق الربّ؛
  2. مدرسةٌ حيثُ المعلِّمون، وقد امتلكهم إيمانٌ عامل، يجهدون في بناء الشخصيّة السليمة على مثال السيد له المجد؛
  3. كنيسةٌ، الأهل فيها حاضرون مع أولادهم ـــ “قلباً وقالباً”؛ هم فيها متعلّمون، ومساهِمون في الإرسالية العظمى ( مت 28: 19 و 20).
عندما نؤمّن هذه الضرورات الثلاث لا داعي للخوف على مستقبل أولادنا. لكن، عندما تُخفِقُ إحدى هذه الضرورات في لَعِبِ دورها وتأدية رسالتها، أو تتنكّر لمسؤولياتها، تهتزّ أساسات حياة أولادنا وتتشرّع على الخطر، مع ما ينجم عند ذلك من نتائج مضرّة بالمجتمع والوطن.
ختاماً لهذه الخاطرة أعود إلى النصّ الذي انطلقت منه. النصّ جزءٌ من المقطع الذي يروي كيف غسل الربّ يسوع أرجلَ تلاميذه قُبيل صلبه ـــ مُقْدِماً على عملٍ مُمتَهَن خسيس يأنف أصغر تلاميذه من الإقدامِ عليه، لو لم يكونوا منهمكين في جدالٍ حول مَن منهم كان أعظم!! احتجّ بطرس … لكن الربَّ أصرّ؛ ثم قال: “أعطيتُكم مثالاً، حتّى كما صنعتُ أنا بكم تصنعون أنتم ايضاً”.
هذه هي رسالته إلى كنيسته اليوم، وفي كل يوم؛ رسالته إلينا ـــ نحن الذين “نعلّم”، لنعمل عملَنا بروح ذاك الذي “انحدَرَ” ليخدم الأصاغر . . . ولينتصر؛ رسالته إلينا ـــ نحن الوالدِين، لنخدمَ أولادنا ــــ لا بإعطائهم كلَّ ما يطلبونه، بل كلّ ما يحتاجون إليه من قدوة مسيحية، وتعليم مسيحي، ومؤازرة مسيحيّة؛ رسالته إلينا ـــ نحن الذين يحتلّون مراكز مسؤولية في الكنيسة، لنطلب دائماً وسائل جديدة توفِّر التعاون المتكامل بين الكنيسة والمدرسة والبيت، مما يمنح أولادَنا وَحدةً في التهذيب المسيحي.
بهذا فقط نجعلهم أهلاً لدعوتهم في هذه الحياة، ولهويتهم الأبديّة.
هكذا نجد أنفسَنا ـــ في المدرسة والبيت والكنيسة ـــ عاملين مع الله وشركاءَ في خطّتِه العظيمة لحياة البشر.
0

اترك تعليقاً