ميلاد السيّد المسيح في القرآن (القس جورج قبطي)

تظهر أهمية شخص السيد المسيح في القرآن من تكرار اسمه وأعماله وبعض تعاليمه في القرآن الكريم، وفي أكثر من سورة. هذا الظهور الذي يتكرر حوالي 93 مرة، تكلم عن يسوع من نواحٍ متعددة بدءً  بميلاد امه العذراء مريم، وحياتها الطاهرة التي أهلتها لتكون مصطفاة من الله، فيرسل لها ملاكه جبرائيل ليبشرها بحبلها بيسوع (عيسى) المسيح من غير زرع بشر وهو ما يثير الرهبة والخوف في قلب مريم التي فكّرت قبل كل شيء بسمعتها كفتاة شرقية منعزلة للعبادة والسجود، فكيف تحبل بدون رجل؟ وما هي تبعات هذا الحبل “بدون زوج شرعي” يكون أب لهذا الطفل المولود؟
إن الحديث عن ميلاد المسيح يسوع في القرآن يتركز في سورتين أساسيتين هما سورة آل عمران (3) 1 وسورة مريم (19)، مع ذكر بعض الأمور الخاصة عن ميلاده في بعض الصور الأخرى.
سورة آل عمران (3: 33-44) تتحدث بشكل خاص عن ميلاد العذراء مريم، تلك الفتاة التي اختارها الله لتكون أم المسيح عيسى، والذي سيدعى بأسمها “عيسى ابن مريم.” 2
في الآيات من 3: 33-36 نجد أن القرآن يتكلم عن اصطفاء عبادة الصالحين الذين لهم شأن ورسالة ومهمة يؤدونها قبل آدم ونوح وابراهيم وآل عمران أنفسهم. ونجد أن زوجة عمران تنذر ما في بطنها لله. ربما كانت عاقراً وحبلت أيضاً بنعمة إلهية خاصّة مما أوجب عليها النذر حيث جرت العادة الإيمانية في الأديان السماوية أن يتم نذر المولود الجديد لله، إن كان الطفل “موعود به” ومنتظر كهدية إلهية.
عادة ما يفكر الشرقيون أن الوعد الإلهي بطفل يكون طفلاً ذكراً، لأن الذكر يحمل اسم أبيه ويقيم له نسلاً خلافاً عن الأنثى. لذا نجد امرأة عمران تقول: “فلمّا وضَعَتها، قالت ربي إني وضعتها انثى والله أعلم بما وضعتُ، وليس الذكر كالأنثى، وإني سميتها مريم” 3: 36. ويشير القرآن أن الله تقبلها كنذيرة لله وأنبتها نباتاً حسناً، وقد كانت تحت رعاية زكريا الكاهن (والد يوحنا المعمدان/ النبي يحيى) في المحراب أي الهيكل، وكان الله يرسل لها زادها ويرزقها من حيث لا تدري هي و زكريا راعيها.
تأتي أولى البشائر بميلاد المسيح في الآية 3: 42، حيث تأتي على فم الملائكة (وليس ملاك واحد)… “وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين…” ويكرر في 3: 44 “إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمةٍ منه، اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين. ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين”.
وعندما تبدي مريم استغرابها من الحبل دون أن يمسّها رجل، يكون الجواب “كذلك الله يخلق ما يشاء، اذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون” 3: 47. وهنا أول اشارة الى أن يسوع مخلوق، أي الله خلقه بكلمة منه كما خلق كل الخليقة بكلمته، لكن ما يميز  البشارة بعيسى المسيح هو وصفه بأنه هو كلمة الله! وليس هناك توضيح كافٍ بالنص عن كيف كلمة الله خُلق بكلمة الله!
تلخص سورة التحريم 66: 12 أن يسوع كان نفخة من روح الله قائلاً “ومريم بنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدّقت بكلمات ربها وكتبه، وكانت من القانتين” (راجع أيضاً الأنبياء 21: 91). وهو ما يؤكد حبل المسيح من مريم بدون زواج أوعلاقة جنسية مع رجل، وهو ما اعتمد عليه في الإصطلاح المسيحي “الحبل بلا دنس”.
تكرر سورة مريم 19: 16-22 البشارة بميلاد المسيح عيسى من مريم التي ” انتبذت من أهلها مكاناً شرقيّاً” أي أنها انعزلت بهدف التعبّد والزهد، فأرسل الله ما سمّاه القرآن “روحنا فتمثل لها بشراً سويّاً” والروح هنا المقصود فيه جبرائيل الملاك، وظهور رجلاً لها في مكان خلوتها كان داعٍ للخوف والاستغراب، خاصة أنها بحسب سياق النص كانت تسعى للطهارة وحياة التعبّد، فكانت ردة فعلها أن قالت “إني أعوذ بالرحمان منك إن كنت تقيّا” أي جعلت الله حكماً وحامياً لها من هذا “الرجل” الغريب الداخل عليها.
عندها يشرح لها جبرائيل القصد من إرساله ويبشرها بغلام زكيّ وكما فعلت في سورة آل عمران، تستغرب أن تحبل ولم يمسّها رجل، لا حلالاً ولا حراماً! فيكون جواب الملاك المتمثل بشراً أن الله قادر على كل شيء وأن الغلام القادم سيكون آية للناس ورحمة من الله”.
هكذا نرى مريم تحاول إخفاء حبلها عن الناس وعائلتها خوفاً من العار والتهم التي تقود لرجمها حتى الموت حسب شريعة موسى، أو خجلاً مما أصابها ولا تعرف كيف تفسره لنفسها أو لغيرها.
جوابا على توتر مريم وخوفها من الناس وعقاب الشريعة المتعارف عليه برجم الزانية، نرى أن القرآن يذكر أولى معجزات المسيح وهي معجزة التكلّم في المهد. حيث يتكلم يسوع (عيسى) مرتين:
أولاً: ليُطمئن والدته ويهديء من روعها بعدما فاجأها المخاض تحت جذع نخلة. والتي من وجع الولادة تمنّت الموت “قالت يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا” 19: 23. والظاهر أن أوجاع الولادة أصابتها أيضاً بالجوع حيث لم يكن أحدٌ معها ليعتني بها، فأشار الطفل الوليد أن تهز إليها جذع النخلة (وهو أمر غير منطقي لأن جذع النخل عريض وقاسٍ) لتسقط لها رطباً لتأكل وتستمد قوةً.
ثانياً: ليرد على اتهامات الناس لأمه بالزنى والفاحشة، حيث طلب منها عدم الكلام بحجة انها “نذرت الصمت لله”، فعندما عاتبوها قائلين “يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمك بغيّا”.
عندها أجاب الطفل الوليد ” قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيّاً، وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيّاً، وبرّا بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقيا، السلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيّا” مريم 19: 30-32
هكذا نرى أن ميلاد عيسى المسيح في القرآن يتمايز عن الحدث في الأناجيل المقدسة وإن كان يتفق معها في بعض الأناجيل:
  1. بدايةً، يتفق المصدران على طهارة العذراء مريم وقدسيتها وحفظها لنفسها بدون دنس قبل الحبل بيسوع (عيسى) المسيح.
  2. تتفق الرواية القرآنية عن اعتزال مريم وتعبدها لله في الهيكل/ المحراب مع بعض الروايات الموروثة في بعض التقاليد غير القانونية والتي رُفضت مسيحيا، بالإضافة الى نفس التقاليد التي تشير الى قدرة يسوع على الكلام في المهد. 3
  3. لا ذكر في الرواية القرآنية لا من قريب أو بعيد للقديس يوسف النجّار، الذي كان في الروايات الكتابية خطيباً لمريم وغطاءً لها في حبلها وحامياً لها من تهمة الزنى. في الأناجيل، يوسف هو من أغلق الباب أمام تأويلات واتهامات الناس لعذراء تحبل بدون زواج وتلد ابناً.
  4. يتفق القرآن والكتاب المقدس على أن يسوع (عيسى) المسيح جاء من دون زرع بشر، وأن مريم لم يمسها رجل أو يتزوجها لكي تحبل وتلد يسوع. إنّ الحبل العذراوي مُتّفق عليه هنا.
  5. بينما تذكر الأناجيل صراحةً أنّ يسوع ولد في مدينة بيت لحم الفلسطينية، القرآن لا يحدد المدينة، بل يحدد الموقع الذي ربما يكون على أطراف الصحراء بحسب ما ذكره القرآن أن مريم وقت ولادتها تضايقت كثيراً حتى جاءتها التعزية من وليدها، وانشقت الأرض عن ماءٍ جارٍ (سورة مريم 19: 24-25) ضروري لتطهير الوالدة والوليد. بالإضافة الى وجود نخلة ورطب في الصورة وهو ربما يعكس أن الرواية القرآنية للميلاد تأثرت نوعاً ما بالبيئة الصحراوية التي جاء فيها القرآن!
  6. بينما لا تذكر الأناجيل أية معجزات قام بها يسوع وهو طفل، بل التركيز كان دائماً على ما حصل وقت ولادته حيث ظهرت الملائكة أكثر من مرّة، وظهر نجم سماوي لمجوس علماء بالفلك، وزاره الرعاة والمجوس بإرشاد الهي. نجد أن القرآن يجعل يسوع (عيسى) المسيح يصنع أولى معجزاته وهو لا يزال في المهمد متكلماً إلى خصوم امه. وهذا أيضاً يتماشى مع بعض الروايات الموروثة في بعض التقاليد المسيحية غير القانونية التي تداولتها بعض الفرق “المسيحية” في البدايات، والتي جعلت يسوع يستخدم قواه المعجزية وهو طفل أو شاب يافع.4
 (الإنجيل لوقا 2: 41-52 يذكر أن يسوع أدهش معلمي اللاهوت والشريعة بمنطقه ومعرفته بالكتب المقدسة وليس بالمعجزات الخارقة للطبيعة).
  1. أخيراً، إن الغرض من رواية البشارة والميلاد في القرآن تتلخص في خاتمة سورة مريم (19: 34-36) للقصة حيث تقول “ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون، ما كان الله أن يتخذ من ولد سبحانه، إذا قضى أمراً فإنما يقول له، كن فيكون. وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراطٌ مستقيم”.
فالتركيز هنا على أن عيسى المسيح مخلوق بكلمة الله في أحشاء مريم وهو ابن مريم ونبي ارسله الله لبني اسرائيل كما ارسل الانبياء قبله مع انه يتفوق عليهم جميعا، بينما الروايات الإنجيلية تهدف الى تأكيد الرسالة الإلهية أن يسوع هو الكلمة (اللوغوس) الإلهي الذي تجسد مثلنا ويكون اسمه يسوع “لأنه يخلص شعبه من خطاياهم” ويدعى عمانوئيل الذي معناه “الله معنا”. وهذا التأكيد الكتابي يشير اليه القرآن عندما يؤكد ان عيسى المسيح هو “كلمة الله وروحٌ منهُ” (النساء 4: 171).
القس جورج القبطي
ملاحظات:
  1. سورة آل عمران هي سورة أهل العذراء مريم بوصف القرآن الكريم ويعتقد أن هنالك خلط بين مريم العذراء ومريم اخت موسى، لأن والدهما كان اسمه عمرام (خروج 1) وأصبحت بالعربية عمران.
  2. اسم عيسى بالعربية هو محاولة تعريب لغوي للاسم اليوناني ليسوع. في الأصل اليوناني، ايسوس التي أصبحت في اللغات الأجنبية جيسيس (Jesus) و بالعربية عيسوس، ومع الزمن أصبحت عيسى
  3. K. Elliot (ed.) The Apocryphal Jesus: Legends of the Early Church. (NY: Oxford University press, 1996).
  4. نفس المصدر السابق
0

اترك تعليقاً