معلومات تُكشف عن كاتب الترانيم حبيب جرجس – د. جورج صبرا

الدكتور جورج صبرا

رئيس كلية اللاهوت للشرق الأدنى. أستاذ متخصص في مادة اللاهوت النظامي

في الطبعات المتعاقبة  لكتاب الترانيم الإنجيليّة لكنائسنا في لبنان وسوريا وفلسطين، ومنذ العام 1913، هناك إثنا عشرة ترنيمة تُنسب إلى شخص اسمه حبيب جرجس.  وفي آخر نسخة لكتاب الترانيم (1990) بقي منها سبعة.  لكن يبدو أنّ أحدًا لا يعرف من هو حبيب جرجس لأنّه لا توجد سنة ميلاد أو وفاة إلى جانب إسمه كما نجد لدى أسماء باقي المؤلفين.  بقي حبيب جرجس مجهول الهويّة إلى أن قام أحد طلاب كليّة اللاهوت للشرق الأدنى ببحث عن لاهوت بعض الترانيم في كنائسنا وذكر حبيب جرجس وترانيمه معرّفًا إياه أنّه الأرشدياكون حبيب جرجس (1876-1951) الذي كان شخصيّة هامّة جدًا في الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة في النصف الأول من القرن العشرين.  يبدو أن الطالب جميل ماهر خضر – أسقفي من فلسطين – بحث عن الاسم على الإنترنت فحصل على موقع للترانيم يُذكر فيه حبيب جرجس القبطيّ كمؤلف لترانيم كنسيّة.  لكن، كيف التأكّد من أنّ الموقع الالكترونيّ لم  يبنِ  تعيين هويّة حبيب جرجس على أنّه مؤلف الترانيم الإنجيليّة بسبب تشابه الاسم فقط؟ أثار الأمر اهتمامي فقررت التوسّع في البحث.

          اطّلعت على جميع نسخات كتب الترانيم الإنجيليّة العربيّة منذ صدور أوّلها في 1862 وحتى آخرها (1990).  وجدت أنّ ترانيم منسوبة لشخص اسمه حبيب جرجس تبدأ بالظهور لأوّل مرّة في نسخة 1913 من كتاب الترانيم.  وفي مقدّمة طبعة 1913 يقول المحرّر القس جورج فورد إنّه اتصل مع كنائس إنجيليّة عدّة وتواصل مع مسؤوليها وموسيقييها في لبنان وسوريا وفلسطين ومصر.  ويذكر بالتحديد أنّه اتصل بالكنيسة الأسقفيةّ في مصر من خلال المرسل تمبل غاردنر   (Temple Gairdner).  إذًا، وجدنا الرابط مع مصر!  ولكن إلى جانب أسماء كلّ الترانيم المنسوبة الى حبيب جرجس أضيفت نجمة. فقرأت تفسير النجمة في مقدمة الكتاب على أنّها إشارة الى أنّ كلام الترنيمة قد جرى إدخال تغييرات مهمة عليه.  من أصل إحدى عشرة ترنيمة لحبيب جرجس في نسخة 1913 هناك ترنيمة واحدة فقط من دون نجمة: “مخلصي لا تنسني”.

          اتصلت بمعارف وأصدقاء لي في الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة[1] وفي الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة[2] سائلًا عن حبيب جرجس المصريّ وعلاقته بالترانيم.  فأجروا بحثًا وفتّشوا كتبه وتفاجأوا هم أنفسهم بما اكتشفوا: إنّه الشخص ذاته!  حبيب جرجس القبطيّ الذي قام بنهضة كبيرة في كنيسته القبطيّة من حيث تأسيس مدارس الأحد للأولاد، ومن ثم صار أوّل مدير للمدرسة الإكليريكيّة القبطيّة الأرثوذكسيّة وله مؤلفات عديدة، والذي أُعلن قدّيسًا في كنيسته سنة 2013، هو ذاته كاتب الترانيم المعروفة لدى الكنائس الإنجيلية.  وكان قد صدر له كتاب ترانيم روحيّة يتضمن عدّة ترانيم وجدت طريقها فيما بعد إلى كتب ترانيمنا في لبنان وسوريا وفلسطين.  أذكر أشهرها:أعلن جهرًا للملا

1 إنّ قلبي ليس يهوى

2 مخلّصي لا تنسني

3 من ذا الذي يفصلنا

4 ها سرور وحبور

5 لا تضطرب قلوبكم

6 يا أيّها الربّ القويّ

تكمن أهمية هذا الإكتشاف – الذي الفضل فيه للطالب جميل خضر – لهويّة كاتب ترانيم معروفة ومحببّة للإنجيليين في أمرين:

أولًا، إنّه يُظهر أكثر فأكثر مدى تأثير الإرساليّات الإنجيليّة الإيجابيّ على الكنائس الشرقيّة القديمة.  لقد استعان حبيب جرجس بفكرة مدرسة الأحد وطبّقها في كنيسته، وكذلك طبّق أساليب التعليم الإنجيليّة فيها بإستخدام الصور مع الآيات وأيضًا بالترنيم المبسّط. فلم يكتف فقط بتعليم الأولاد والمؤمنين ترانيم ليتورجيّة تقليديّة بل ألّف ترانيم على النمط الإنجيليّ.

ثانيًا، نرى بُعدًا مسكونيًّا في ضم ترانيم لشخص غير إنجيليّ، من كنيسة شرقية وفي موقع المسؤولية الكنسيّة، إلى كتاب ترانيم الكنائس الإنجيلية، وذلك في 1913، أي قبل الحركة المسكونيّة والتقارب بين الكنائس.  إنّها مسكونيّة سابقة لأوانها. إنّها روح إنفتاح تحلّى بها القادة الإنجيليين منذ أوائل القرن العشرين.  الكنائس الإنجيليّة في بلادنا ترنّم كلمات للشخص المسؤول عن إحدى أهمّ النهضات الروحيّة في الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة، وقد طبعت بعض تلك الترانيم الشخصيّة والروحانيّة الإنجيليّتين.

          المستقبل للسير معًا وللتضامن معًا وللترنيم معًا، ومتى شاء الروح القدس، إلى العبادة والشركة الكاملة معًا أيضًا.


[1]  أود أن أشكر الأخ الصديق د. جرجس صالح، أمين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط سابقًا، ومدير الكليّة الإكليريكيّة اللاهوتيّة بالقاهرة، لتزويده إيّاي بمعلومات قيّمة وبنصوص للترانيم التي ألّفها حبيب جرجس.

[2] الشكر الجزيل للأخ الصديق د. عبد المسيح إستفانوس، مدير عام دار الكتاب المقدس بمصر (سابقًا)، واستاذ اللاهوت النظاميّ في كلية اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة (سابقًا)؛ وأيضًا للأخ الصديق القس د. عاطف جندي مهنّي، رئيس كليّة اللاهوت الإنجيليّة بالقاهرة.  

اترك تعليقاً

%d مدونون معجبون بهذه: