” … وَحْدِي” – القس أديب عوض

القس أديب عوض

رئيس تحرير النشرة السابق، المدة: 2008-2017

ها هي ستائر الظلمة تُلملِمُ أذيالَها هاربَةً أمام تسارع خيوط الفجر. على سور أحد الحصون المتقدّمة نحو الشرق يراقب الحارس باتّجاهِ أدوم ـــ العدو اللدود الدائم، فيلمح شكلَ محاربٍ وحيد قادم، تُظهرُهُ جَهْجَهَةُ النهار الشرقيّة عظيماً في قامته، جليلاً في مِشيتِه، مَهيباً في حركاته، زارِعاً المدى كفاتحٍ يستعرض انتصاراته، تتلاعب نسائمُ الفجر النشيطة بردائه القرمزيّ الفضفاض حتى لتخاله أحدَ آلهةِ الملاحم!

يدنو مسرعاً، تصحبُه بُروجُ الرَّهبة؛ فيصرخ الحارسُ المندهش سائلاً:

“مَن ذا الآتي من أدوم، بثيابٍ حُمرٍ من بُصرَةَ؟ هذا البهيُّ بملابسه، المتعظّم بكثرةِ قوّتِه؟”

“أنا المتكلّم بالبرّ، العظيمُ للخلاص”.

“ما بالُ لباسِكَ محمرٌّ، وثيابُك كدائس الـمِعصرة؟”

“قد دُستُ الـمِعصرةَ وحدي؛ ومن الشعوبِ لم يكن معي أحدٌ”.

رأى الإيمان المسيحي دائماً في هذا المقطع الأخّاذ من إشعياء وصفاً للمسيح الغالب في عمله الفدائي؛ وما استرعى اهتمامَ أتباع المسيح في هذه اللوحة الرائعة لم يكن سيماءُ العظمة في هذا الفاتح، ولا لباسُه المخضّب بآثار المعارك … وإنّما وَحَادَتُهُ وفُرادَتُهُ: “دُستُ الـمِعصَرةَ وحدي؛ ومن الشعوب لم يكن معي أحدٌ … فنظرتُ ولم يكن معين”.

الوَحادَة قِسْمَةُ إنسانيتنا الحتمية. كل حياةٍ مغامَرَةٌ في حدّ ذاتها. لا يمرُّ اثنان في التجربة ذاتها. هناك وَحَادةٌ كيانية من نصيب كل البشر؛ يقول الحكيم: “القلبُ يعرفُ مرارَةَ نفسه، وبفرحه لا يشاركُه غريب” (أم 14 :10).

تقول كلماتُ الأغنية:          

جَفني … من بعيدٍ يَنِمُّ عن سُهدي؛

وحُزني … كلُّ حُزنٍ أذوقُه وحدي!

توجد وَحادةٌ مكانيّة؛ وتوجد وَحادةٌ وضعيّة. مِن القصص التي قرأتُها في مدرسة الأميركان، وأنا بعدُ صبيّاً، قصّة روبنسون كروزو – المنسي، على الجزيرة المنسيّة. جَلَبَتْ وَحادتُه المكانية شفقةَ الملايين الذين قرأوا القصّة. لكنّ الوحادةَ الوضعيّة تختلف كثيراً. فقد يصدف أن تكون في أكثر شوارع المدينة ازدحاماً بالسياراتِ والمارّة، والمحلاتُ المميَّزة تستقبل أفواجاً وتودّعِ أفواجاً، ومقاهي الأرصفة الغاصّة بالرّوّاد، والأصواتُ المختلفة تتداخل وتملأ الفضاء … وأنتَ تشعر بِوَحشةٍ قاتلة، أين منها وَحشَةُ المكان. نعم، وَحشة الإنسان جزءٌ من إنسانيته!

لكن، لِنَعُدْ إلى وَحادةِ المسيح ــــ أوّلاً، في عظمته ونقاءِ سجيّتِه؛ ثانياً، في تجربتِهِ؛ ثالثاً، في آلامه.

فلننظر إلى هذا المتألم، الجليلِ، الوحيد.

وَحادةُ المسيح في عظمتِهِ وطهارته

عندما كنتُ فتىً تسلّقتُ مع رفاقي الصِبية الجبلَ الأقرعَ الذي يحتضن بلدةَ كَسَب في شمال الغرب السوري. عندما اقتربنا من القمّة ـــ أو هكذا خُيّل إلينا (!) لم يكن حولنا سوى كُتَلٍ هائلة من الصخر الأبيض الأصمّ؛ لا شجرة، لا ورقة عشب، لا بَجْلَة أو قِرميّة … لا أثرَ للحياة على الإطلاق. ساد صمتٌ مُطبق؛ صمتٌ يفرضُ رهبةً، ويحمل الفردَ عائداً إلى فجرِ الخليقة. على قمّةِ الجبل سادت وَحادةٌ مطلقة؛ لا أحياء؛ لا صوت؛ لا نرى أحداً، ولا نَسمع أحداً.

هكذا هي الحياة … كلّما سَمَوْتَ فيها، كلّما ازدادت وحدتُكَ؛ فتَوَقُّل النفس ينأى بها عن الجماهير. إنّ تسامي سجيّةِ إنسانٍ ما ـــ مهما كان اجتماعياً في علاقاتِه وإنسانياً، ونبيلاً في خدماته – قد ينفِّر الآخرين منه … أو قد بجذبهم إليه!! إن قناعة بعض الناس باستقامةِ إنسانٍ ما وسموّ سجاياه وعفّةِ نفسه تصدّهم عنه في أغلبِ الأحيان. أعظمُ البشرِ كانوا أكثرَ البشرِ وحْدَةً. تأمّلوا موسى وحيداً على الجبل مع الله؛ إيليّا وحيداً مع الله وسطَ جيلٍ فاسدٍ شرّير؛ إرميا، يُرسَل وحيداً، ليكون عمودَ حديدٍ وسياجَ نحاس في مواجهةِ أمّةٍ مارقة؛ يوحنّا المعمدان في البرّية، وحيداً يمتلكه روحُ الله؛ بولس، بعد جهادٍ مجيد … وحيداً في سجنه في روما …

لا أذكر القرينة، أو المرجع، أو المقطع الذي يأتي منه هذا السطر الذي علق بذاكرتي منذ سنواتٍ كثيرة … وقد يكون جزءاً من ترنيمة تعلّمناها في كلّية اللاهوت!

Count me o’er earth’s chosen heroes – They were souls that stood alone.

                    منهم أنا ــــ أبطالَ الأرضِ المختارين؛ فقد كانوا أنفساً انتصبت وحيدة.

المسيح داس المعصرةَ وحيداً … لأن نفسه كانت نقيّةً وجليلة. وحده عَرَفَ حقيقة عمل الفداء العظيم الذي جاءَ ليتمّمه. يضرب ملاك الموتِ ضربةً موجعة، فيأخذ رأس العائلةِ ومعيلَها. يحضر خادمُ المسيح أوّلاً ليقومَ بواجب العزاء. في وسط أجواء الأحزان، وأنّاتِ الزوجة والأقرباء، يلتهي الصغارُ بألعابهم وتسلياتهم، أو ينظرون باستغراب في وجوه الكبار في ما يبدو أنه محاولاتٍ منهم ليفهموا أحزانهم وبكاءَهم.

مؤخراً  كنت أتسلّى بمراجعة رسائل أحتفظ بها منذ نعومةِ أظفاري. وقعتُ على رسالة (يتيمة جدّاً) بعث بها والدايَ لي عندما كنت أدرس في الجامعة، يُبديان فيها قلقهما عليّ، واهتمامَهما بأحوالي، ويعلمانني أنهما يصليّان دائماً من أجل سلامتي وفَلاحي.

أقول بصدق، أنني ـــ مع كوني كنتُ بالغاً ــــ لم أفهم وقتها شيئاً ممّا كتباه، ولم يَعْنِ ما كتباه لي شيئاً. (لكن، عندما قرأتُها بعد أربعين سنة، وكان والدايَ في ذمّة الأبديّة، اغرورقت عينايَ بالدموع، وأحسستُ بحشرجةٍ في صدري!)

عندما كان ابنُ الله في الجسد، لم يفهم تلاميذُه الغايةَ العظمى من عمله؛ كانوا مجرّد “أطفال” عديمي الفهم (مت 16 :9؛ مر 8: 17 و21؛ يو8: 43). ليوسف وأمّه قال في البداية، عندما وبّخاه لأنه توانى وراءهم في أورشليم: “ألَم تعلما أنه ينبغي أن أكونَ في ما لأبي؟!” (لو2: 49). أمُّه و “إخوتُه” لم يفهموه؛ حتى عندما تحدّث إلى تلاميذه بأدقّ الألفاظ وخَيَارِ الكلمات عن عمله الفدائي وموته، لم يفهموا ما قاله.

نعم، سار المسيحُ دربَه وحيداً … من معموديته، إلى تجربته في البرية، إلى صرخته الأخيرة على الصليب.

وَحادَةُ المسيح في التجربة

التجربة حلقةٌ أخرى من حلقاتِ الشركة الإنسانيّة … لأننا كلنا نجرَّب؛ ولا يُستثنى أحدٌ من حَلَبَتِها؛ لا إعفاءَ ـــ مشرّفاً، أو غير مشرِّف ـــ من لظاها. التجربةُ اختبارٌ فردي، يلاقيه الفردُ وحيداً. ومع أن التجاربَ ـــ من ناحية ما ـــ لا تختلف من جيلٍ إلى آخر، إلّا أن كل تجربةٍ ــــ لصاحبها ــــ هي مواجهةٌ جديدة، يلقاها الفردُ وحيداً؛ يأخذه المجرّب فيها بعيداً عن الجموع … ليستفردَه. أمّا مسرحُ التجربة ـــ أكانَ شارعاً مزدحماً، أو مكتباً غاصّاً بالعاملين، أو ركناً هادئاً في حديقة، أو درباً في القرية تحت ظلالِ الزيزفون ـــ فهو دائماً “برّيّة”، صحراء، يلتقينا فيها المجرِّبُ وحيدين؛ وفي لحظة زمنيّة يُهْزَمُ هزيمةً نكراء … أو يحظى بغنيمته الدّسمَة!!

لكن، لننظر إلى تجربة يسوع. في تلك التجربة يوجد سر، هو سرُّ شخصه الإلهي. يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين، الـمُلْهَم، أن يسوع كان مجرَّباً في كل شيء مثلَنا، بلا خطيّة (4: 15). لا أشك أنّكم تساءلتم ــــ في وقتٍ أو آخر ـــ عن مدلول هذا القول! صحيح أنّ المسيح أخذ لنفسه “صورَة عبد” ( في 2 : 7)، وكان “ينبغي أن يشبه إخوتَه في كل شيء” (عب2: 17)، ولذلك أُخضِع للتجربة (عب2: 18). لكن إلى أي مدى أشبَهَتْ تجربتُه تجربتَنا؟ وما الذي قصده قلمُ الوحي بأنّه تجرّب في كلِّ شيء مثلنا؟ هل قصد “مثلنا” لجهة حقيقة التجربة ومبدأ التجربة؟ أم “مثلنا”، أيضاً في تفاصيل التجربة ـــ أي ردود الفعل البشرية، فيما إذا غَضِبَ، أو فَقَدَ أعصابَه، أو حَقَد، أو طمِعَ بالمغريات المعروضة، أو جَبُنَ وخاف، أو تهرّب من المسؤولية، أو كذِب، أو أثِمَ؟ … مَن يجرؤ على السؤال؟!؟

ما نعرفه عن تجربة يسوع هو أنّه جُرِّبَ في غايةِ تجسّده والعمل الفدائي الذي جاء ليُنجزَه؛ وفي هذه كان وحيداً كلّيةً. أما البرّية التي يذكرها البشيرون الثلاثة عند سردهم لواقعة التجربة، فقد كانت أكثر من برّية “جغرافية”. إلى جانب البرّية الجغرافية، كانت هناك البرّية المعنوية … برّية النفس: “أُصعِدَ يسوع إلى البرّية من الروح ليجرَّبَ من إبليس” (مت 4: 1). هناك – وصدقيَّة الفداء على المحكّ – واجه يسوعُ إبليسَ وحيداً … عبّر البشيرُ عن هذه الوحدة بالكلمات: “وكان مع الوحوش” (مر 1: 13).

انتصر الربُّ يسوع في الجولةِ الأولى، و “قيّد القوِيَّ”، والتفتَ إلى “نهبِ أمتعتِه وبيتِه” (مت12: 29)، وانطلق لتحرير النفس البشريّة. لكن، هل أوقفتكم طريقةُ الوحي ــــ في إنجيل لوقا ــــ في إغلاقِ ملفّ تجربة الأربعين يوماً؟ يقول الوحي المقدّس: “ولـمّا أكملَ إبليسُ كلَّ تجربة فارقة إلى حين” (لو4: 13). يعطي هذا القولُ الانطباعَ بأن المجرّب لم يهجر ساحَ المعركة بعد هزيمته المذلّة؛ ونتساءل، مَتَى، وكيف عاودَ ملكُ الظلمةِ هجماته على الربّ يسوع؟ ما نعرفه يقيناً هو أن كلَّ محاولاته المتكرّرة باءت بالفشل ــــ كالمحاولة الأولى، إذ قال الربُّ “لأنّ رئيسَ هذا العالم يأتي، وليس له فيَّ شيء” (يو 14: 30). كما نعرف أن هجوم إبليس الأخير وقع قبل ختامِ حياة الربّ في الجسد بقليل، حين قال: “هذه ساعتُكم و(ساعة) سلطانِ الظلمة” (لو 22: 53). فكما جرّبه إبليس أوّلاً بإغراءات العالم، عادَ يجرّبه أخيراً بتهديداتِ آلامِه.

أوّل فصولِ التجربة الأخيرة وقع في بستان جثسيماني. في وَحشةٍ قاتلة؛ في لحظةٍ احتاج الربُّ فيها إلى رفقَةِ تلاميذه ليمكثوا معه ويشجّعوه … دخل يسوع مرحلة المعاناة الأخيرة، وتعرّق، “وصار عرقُه كقطرات دمٍ نازلةٍ على الأرض” (لو 22: 44)، وكان يصلّي “يا أبتاه، إن شئتَ أن تُجيز عنّي هذه الكأس” (لو22: 42). لكن، مهما اشتدّت التجربة لحَرْفِه عن العمل الفدائي الأعظم على الصليب ــــ العمل الذي من أجله “ثبّتَ وجهَه لينطلق إلى أورشليم” (لو 9: 52)، فقد صدَّ إبليسَ وأخزاه؛ وكما جاءت ملائكةٌ تخدمه بعد انتصاره الماحق في التجربة الأولى، نقرأ الآن أيضاً: “وظهر له ملاكٌ من السماءِ يقوّيه” (لو 22: 43).

عندما نصغي إلى تلك الصرخة الغامضة التي مزّقت صمتَ جلجثة واخترقت ظلمتَها، “إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟” (مت 27: 46)، نتساءل إن كانت هذه هجمةُ إبليس الأخيرة!! إذا كانت هجمتَه الأخيرة، فيقيناً أن الربَّ المسيح قد سجَّل ضربتَه القاضية لرئيس هذا العالم؛ فبعد تلك الصرخة “إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟” نطق بتلك الصلاة الأخيرة الرائعة، المفعمة بالثقة: “يا أبتاه، في يديك أستودعُ روحي” (لو 23: 46).

لقد واجه يسوعُ المجرِّبَ وحيداً وقهره لكي لا نكونَ نحن وحيدين في مواجهته أبداً. في كل معركة نخوضها مع إبليس، سيكون الربُّ يسوع معنا ـــ معيناً وصديقاً وسنداً، لأنه ـــ فيما هو جُرِّبَ وانتصر ــــ قادر أن يُعين المجرَّبين (عب 2: 18).

وَحَادَة المسيح في آلامه

تُقْزِمُ معاناةُ المسيح في جثسيماني، وعلى الصليب، كلَّ آلامٍ بشريّة ولَأْواء. إنما الآلام أيضاً حلقةٌ من حلقات الشركة الإنسانيّة، لأن كل ألم هو اختبارٌ فرديّ لا يشترك فيه آخر. عَوْدٌ إلى كلماتُ الأغنية: “جفني ــــــ من بعيدٍ ينِمُّ عن سُهْدي؛ وحُزني ــــــ كلُّ حزنٍ أذوقُه وحدي”. قد يتعاطف الآخرون، ويشجِّعون، ويندهشون، ويتأسّفون؛ لكن كلّ إنسانٍ يترع الكأس وحيداً.

كان يسوع وحيداً أيضاً في أنّه ــــــ بسبب نقاوةِ سجيّتِه ــــــ امتلك فهماً لِماهيّة الخطيّة، وللعطب الذي أوقعته في طبيعة الإنسان. تستر السماءُ عن كلِّ عين ــــ ما عدا عينها هي ــــ ذلك المنظرَ الشنيعَ … منظر القلب البشريّ. كلّما سعى قلبٌ بشريّ إلى الكمال، ازدادَ تحسُّسه من الخطيّة. فمعاناة نفسٍ مسيحيّة استدرجها إبليس إلى الخطيّة أشدُّ مضاضةً وأقسى وقعاً ممّا تشعر به نفسٌ تعوّدت الخطيّة فلم تَعُدْ تميّز صوتَ الضمير أو وَخَزاتِه. من يستطيع ـــــ إذاً ـــــ وصفَ آلام المسيح وهو يتنقّل وسط خليقته؟! عندنا واقعةٌ، أو اثنتان، تصوّران هذه الآلام؛ مثلاً، حين بكى عند قبر لِعازر، يقول الوحي إن يسوع رفع عينيه إلى السماء؛ وأيضاً عندما شفى الصبيَّ الذي امتلكه الروح الأخرس الأصمّ: “أَيُّهَا الْجِيلُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ؟ إِلَى مَتَى أَحْتَمِلُكُمْ؟” (مر9: 17 – 27).

كانت آلام المسيح آلاماً مسبوقةَ العِلمِ، ومتوقّعة؛ وبهذا اختلفَ عن سائر البشر. على الإنسان أن يشرب كأس تجربته وآلامِه قبل انقضاءِ سياحتِه القصيرةِ الفانية؛ لكن من مراحم الربّ أنّ الإنسان لا يعلم بها مسبقاً، ولا يتبدّرُها. طبعاً، هي قاسية؛ لكنها أقسى كثيراً لو أنه عَرَف متى تأتي وتهاجمه. لنفترض أننا نملك الإمكانية لكشف حُجبِ المستقبل ــــ من صالحنا أن هذا غير ممكن؛ من صالحنا جميعاً أننا لا نرى المستقبل! بينما كانت آلام المسيح في علمه ومعرفته. لقد ثبّتَ وجهه دوماً نحو الصليب (مت 16: 21؛ 20: 18 و 19؛ مر 10: 33 و34؛ لو9: 31؛ 9: 51؛ 18: 31؛ 24: 25 – 28)؛ وكانت أمامه “صِبغة” (معمودية الدم) بها يصطبغ، وكأسُ آلام ليشربها (مر 10: 38)؛ وإليها انطلقت نفسُه راضيةً. كثيراً ما أخبر تلاميذه ـــ كما رأينا ـــ أنه ينبغي أن يتألم من الكتبة والفريسيين ويُسَلَّم إلى الموت. وعندما أذِنتِ الساعة، صلّى: “قد أتتِ الساعة … أيها الآب، نجّني من هذه الساعة. ولكن لأجل هذا أتيتُ إلى هذه الساعة” (مر 14: 41؛ يو 12: 27). وإذ كان يستعرض، في جثسيماني، هَوْلَ المحنة التي تنتظره على جلجثة، قال: “نفسي حزينةٌ جدّاً حتى الموت” (مت 26 : 38).

تذرّت حِطَّةُ المسيح وآلامُه، في وحدته على الصليب، حين “أطاعَ حتى الموت ــــ موتِ الصليب” (في 2: 8)، و”حمل في جسده خطايانا على الخشبة” (1بط 2: 24). هناك سكبَ نفسه حتى الموت، وبلغَ الحقيقة الفعليّة النهائية التي دلّ عليها باستمرار، وفي اتجاهها اشرأبّت كلُّ جوارحه. لن ندرك ـــ أنتم وأنا، ما حَيَيْنا ـــ ما تحمّله يسوع عندما شربَ الكأسَ التي كانت من نصيبنا، وقاسى الآلام التي سبّبتها خطيّتُنا. والمقياس الوحيد بين أيدينا لنقيس به شِدَّةَ ما عاناه هو تلك الصرخة التي مزّقت رهبةَ الصليب، “إلهي، إلهي؛ لماذا تركتني؟” الآن انتهت المعركة الطويلة؛ الآن تمّت الذبيحة العظمى، وصرخ الربُّ الفادي منتصراً – في وجه السماء والأرضِ والجحيم: “قد أُكْمِل!”. وحيداً ـــ حتى المنتهى ـــ داس مِعصرةَ غضب الله على الخطيّة. الآن، من الـمِعصرة يجري الدمُ الأحمر الطاهر لتجديد العالم، وخلاصه، وفِدائه.

خاتمة

ما قلناه حتى الآن ــــ وَحادةُ المسيح الفادي ـــــ ليس مجرّد حقيقةٍ في ذاته، في سيرةِ ربنا الدينيّة؛ إنه الحقيقة الأعظم والأمضى لكم، ولي. بآلامه صار المسيح الفادي المطلقَ الكامل؛ والآن، بموتِه تُوِّجَ بالمجد والجلال. وَحادةُ المسيح الفادي إشهارٌ لقيمة الإنسان، لسموِّ النفس البشرية الأزلي. فإذا كان ابنُ الأزل قد قاسى كل هذا ـــ وحيداً ـــ من أجل الإنسان، فأيّ كنزٍ فريدٍ هي النفسُ البشرّية عند الله!! لا يمكن أن تقاسَ قيمةُ النفس البشرية وكرامتُها وقَدْرُها بصورة الحياة وهدفها ـــ أي، ما قيمة الإنسان بلا نفس؛ ولا يمكن أن تقاس بديمومتها، لأنها تبقى بعد أن تزول الشمس والقمر والنجوم. لكنّها تقاس بالثمن الذي سدّده الربُّ يسوع المسيح، ابنُ الله، فديةً عنها.

كما أنّ وَحادةَ آلام المسيح في فِدائه هي مقياسٌ لخطيّتنا وحاجتنا. إنْ جُرِّبَ أحدٌ، وما اكترثَ لحالته الحاضرة أو لخير نفسه والدينونة التي تنتظره، فإني أدعوه ليتذكّر أنه من أجل خلاصِ نفسه وتسديد “الصك” عنها، انسحقت نفسُ ابن الله آلاماً لا توصف وعذاباً. يعرف ابنُ الله قيمةَ النفس البشريّة، ويعرف ماذا يعني أن تبتعد هذه النفس عن الله خالقِها.

أخيراً، وَحادةُ آلام المسيح هي أساس رجائنا. لأنه ـــــ بانتصاره الماحق على الصليب ــــ يعود إلينا بهيّاً بملابسه، متعّظماً بكثرةِ قوّته، عظيماً للخلاص. لأنه داس المِعصرةَ وحيداً، لن نكون وحيدين بعد اليوم. هناك أمور على الإنسان مواجهتها وحيداً؛ عليه خوض التجارب وحيداً؛ عليه أن يركع في جثسيماني وحيداً ويشربَ كأس الآلام وحيداً؛ عليه أن يلقى اللهَ وحيداً في يوم الدينونة ــــ لن يكون معنا أحدٌ لمساعدتنا تلك الساعة الرهيبة. لكن، عندنا حضور المسيح الأكيد ــــــ ذاك الذي داس المعصرة وحيداً، ليسير الدروبَ كلَّها إلى جانبنا؛ بكلمات داوود قربان:

          كنتُ أسيراً في الأثامْ            والعدلُ قاضٍ بالقِصاصْ

           ففكّني فادي الأنامْ              وقال لي: نلتَ الخلاصْ

           في جلجثا ربّي قضى             عني على عودِ الصليبْ

           في جلجثا نلتُ الرضى            فالشكرُ للفادي الحبيبْ

           روحي وجسمي والقُوى          لمن فداني بدماهْ

           أحيا له كما ارتضى               فبَهجتي نَيْلُ رِضاه

0

One thought on “” … وَحْدِي” – القس أديب عوض”

  • واووو روعه نعم الوحدانيه خاصة لكل انسان ولا يمكن التعبير عنها يكلمات وقد اختص الرب يشوع بهذه الوجدانيه بموته وقيامته آمين

    0

اترك تعليقاً