هل من ضوء في آخر النفق؟ – الأخ خيرالله عطاالله

مسيحيو الشرق الأوسط: ظروف وتحديات

يعتبر التساؤل عن مستقبل مسيحيي الشرق الأوسط أحد أهم الأسئلة التي ما زالت تطرح نفسها منذ نهايات القرن التاسع عشر على أي مفكر أو باحث مهتم بقضايا المنطقة. ولكن جدية هذا التساؤل أخذت بالازدياد بشكل مطرد إثر الحرب الأهلية في لبنان، التي مالت من بعدها ملامح استشراف المستقبل نحو السوداوية لا سيما بعد الغزو الأميركي للعراق، ووصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في مصر ولو لفترة وجيزة، واشتداد الأزمة السورية وما رافقها من صعود للأصولية الإسلامية المتمثلة بداعش والنصرة وغيرها إضافةً إلى تدهور الحالة الاقتصادية وتدني مستوى المعيشة.

قد دفعت كل تلك المتغيرات الكثير من المسيحيين وغيرهم إلى الاعتقاد أن مستقبلهم سيكون أفضل إذا اختاروا الهجرة وترك الشرق الأوسط ومشكلاته. ولكن على الرغم من أن الظروف السيئة في المنطقة لم تلق بظلالها على المسيحيين فقط بل على كل شخص في الشرق الأوسط، إلا أن الأعداد القليلة للمسيحيين مقارنة بالمسلمين في المنطقة تجعل مستقبلهم على المحك وتجعل السؤال عن هذا المستقبل قضية حياة أو موت.

لا يخفى على أحد كم سال من الحبر في مناقشة هذه القضية، فالسؤال عن مستقبل مسيحيي الشرق الأوسط سؤال معقد ومركب تشترك فيه عوامل تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ولاهوتية متنوعة. وبالنتيجة يختلف المفكرون والباحثون من علمانيين ورجال دين في تلخيص التحديات التي تواجه مسيحيي الشرق الأوسط؛ فمنهم من اعتبر أن الأصولية الإسلامية تشكل تحدياً واحداً وحيداً أمام الوجود المسيحي في الشرق، وذهب المتطرفون إلى القول أن الإسلام أصولي بطبعه ولا يمكن له أن يقبل بوجود مسيحي إلى جواره، متجاهلين في قولهم ذلك حقيقة وجود حقبات تاريخية -ولو قصيرة- عاش فيها المسيحيون إلى جانب المسلمين في الشرق الأوسط بدون نزاعات أو صراعات دموية تهدد الوجود المسيحي ككل، ومتجاهلين أيضاً وجود تيارات إسلامية معتدلة تنبذ الأصولية والتطرف. وعلى الجانب الآخر أكد بعض المعتدلون أن الأصولية الإسلامية حدثٌ طارئ في مسار التاريخ سرعان ما سيزول وتزول نتائجه وآثاره السلبية، ورفضوا اعتبار الأصولية جوهرَ الإسلام لأن ذلك لا يختلف عن اعتبار نهج الحملات الصليبية بعنفها وبربريتها جوهرَ المسيحية. إلا أن القارئ الموضوعي للواقع لا يكتفي بحصر التحديات أمام المسيحيين بالأصولية الإسلامية، بل يذهب أبعد من ذلك ليشير إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تدفع المسيحيين لفقدان الأمل من شرقهم واتخاذ قرار الهجرة.

          بجميع الأحوال، تعكس هذه الآراء على اختلافها اتفاقاً يربط مستقبل مسيحيي الشرق الأوسط بمؤثرات خارجية غيرية، ويصنف التحديات أمام وجودهم كما لو كانت مرتبطة فقط بعوامل لا يستطيع المسيحيون التعاطي معها أو تغيرها لأنها مرتبطة بشكل كلي بالغير. إلا أن قلة قليلة من الباحثين المسيحيين توجهت إلى الذات المسيحية المشرقية ونظرت لها نظرة الناقد واعتبرتها مساهمة بشكل أو بآخر في مشكلتها الحالية. ومن هنا أعتقد أن أي حديث عن مستقبل مسيحيي الشرق الأوسط لا ينطلق من تقييم صادق للذات ليس إلا حبراً على ورق، وأن أي مقترح لدعم المسيحيين في الشرق الأوسط لا يبدأ من تحليل منطقي موضوعي لفهم المسيحيين أنفسهم لأنفسهم ليس إلا محاولة فاشلة وجعجعة بلا طحين.

إن القراءة المتأنية للذات المسيحية الشرق أوسطية من الداخل تكشف لنا أن الكثير من المسيحيين اليوم يرون في المسيحية مجرد انتماء اسمي لجماعة ثقافية أو إثنية أكثر من كونها حياة التزام أو مسؤولية، ويعتبرون أن هذه (المسيحية) هي عضوية في جماعة متفوقة أخلاقياً وفكرياً على باقي الجماعات في المنطقة أكثر من كونها حاملاً فاعلاً لرسالة إلهية جوهرها المحبة الباذلة المضحية. ويعتقد بعضهم أن عضويتهم في الجماعة (المسيحية) تخولهم السعي وراء بناء كيانات أو (غيتوهات) خاصة مستقلة في المنطقة تكبر وتصغر مساحتها بحسب الظروف المتاحة.

كل هذا يجعل (المسيحية) على الرغم من لاهوتها العلاقاتي عائقاً أمام بناء حياة شراكة حقيقية مع الآخر – مسلماً كان أو حتى مسيحياً من كنيسة أخرى-، ويضع بالنتيجة أمام الوجود المسيحي الشرق أوسطي تحدياً جديداً مرتبطاً بطبيعة نظر المسيحي نفسه إلى العلاقات المسيحية – المسيحية والمسيحية – الإسلامية في المنطقة. إن السؤال الأساسي الذي يجب الإجابة عليه في هذا الخصوص هو “هل هذه العلاقات علاقات فعالة حقيقية تهدف إلى بناء فهم أفضل للآخر، أم أنها مجرد التقاط للصور وعقد مؤتمرات بلا معنى تعجز حتى عن تحديد رزنامة واحدة للاحتفال بعيد القيامة؟”. قد اختارت بعض الكنائس في الشرق الأوسط اليوم السير قدماً باتجاه علاقات أكثر فعالية مع الآخرين في حين أن بعض الجماعات المسيحية ما تزال تختار مواقفاً انعزالية وتبقى عالقة في صراعات تاريخية قديمة أو في مفاهيم مغلوطة عن التبشير. في الواقع لا يمكن للمسيحيين أن ينسوا بسهولة التاريخ القاسي والدموي الذي يحفظونه عن العلاقات سواء مع المسيحيين الآخرين أو مع المسلمين. لكن قراءة التاريخ بعيون مفتوحة تستكشف الأبعاد السياسية للصراعات القديمة تشكل اليوم حاجة ماسة وملحة.       

وأمام كل هذه الظروف المؤلمة والتحديات القاسية، يغدو السؤال ملحاً: “هل من أفق للمستقبل؟” 

مسيحيو الشرق الأوسط: ضوء في آخر النفق

أعتقد بداية أن أي سؤال عن مستقبل مسيحيي الشرق الأوسط لا يمكن فصله عن السؤال عن مستقبل المنطقة ككل، وهي المنطقة الغارقة في الفوضى والنزاع والمشاكل الاقتصادية والأنظمة التعليمية المتردية والقراءات المنحازة للتاريخ. تتطلب الحالة اليوم في الشرق الأوسط قفزة نحو الأمام في سبيل السعي وراء حياة أفضل، وأظن أن مستقبل مسيحيي الشرق الأوسط هو في أن يقفزوا هذه القفزة وهذا هو دورهم اليوم وفي قادمات الأيام.

وهنا أرى أن مستقبل مسيحيي الشرق الأوسط مربوط بشكل وثيق بفهم المسيحيين أنفسهم لهويتهم المسيحية. إن الهوية المسيحية الحقيقية تعتبر العلاقات وسيلة لبناء حياة أفضل، وهي هوية من التواضع الذي يضع كل ما يملك في خدمة الآخر بدلاً من الغرق في ادعاءات انعزالية متكبرة. إن الصراع مع الذات ومع الأنا هو الصراع الأهم الذي يجب علينا كمسيحيين أن نواجهه لأنه الصراع الذي يقودنا لأن نعيش حياة مسيحية حقيقية، التي بدونها يغدو السؤال عن مستقبل مسيحيي الشرق الأوسط سؤالاً عن استمرارية وجود كيان ثقافي او اجتماعي أكثر من كونه سؤالاً عن استمرارية وجود رسالة في المنطقة.    

          إن فهم مسيحيي الشرق الأوسط لمسيحهم ومسيحيتهم فهماً حقيقياً وعميقاً سيقودهم إلى العمل على بناء هوية مشرقية جامعة غير مبنية على أسس عرقية أو لغوية، هوية تحترم الحقوق الدينية والخصوصية الثقافية للجماعات المختلفة وتستفيد من قراءة متجددة للتاريخ لا كمنبع للثأر بل كمنبع للدروس التي لا يجب تكرارها، هي هوية ترفض استخدام الدين كغطاء للصراعات السياسية والاقتصادية.

لا بد من الاعتراف أن بناء هذه الهوية المشرقية الجامعة ليس بالأمر السهل، ولا يمكن تحقيقه بقرار سياسي أو من خلال مؤتمر أكاديمي، بل هو أمر يبدأ بمبادرات بسيطة وجادة يقوم بها أشخاص عاديون في حياتهم اليومية وفي علاقاتهم مع جيرانهم، فحين تمتد يد المسيحي الشرق أوسطي لتعين بالمحبة متألماً أو متعباً في المنطقة بغض النظر عن هويته تبنى لبنة في صرح الهوية المشرقية الجامعة، وحين يحتضن المسيحي الشرق أوسطي بالمحبة المضحية لاجئاً أو مشرداً بغض النظر عن خلفيته الدينية تضاف قطرة في كوب الهوية المشرقية الجامعة، وحين يزور المسيحي الشرق أوسطي بالمحبة التي لا تطلب ما لنفسها مريضاً أو محبوساً بدون السؤال عن انتمائه يضاف لون مبهج إلى لوحة الهوية المشرقية الجامعة.     

أعترف مجدداً أنها ليست مهمة سهلة، ولكن مستقبل مسيحيي الشرق الأوسط ودورهم هو في العمل والكفاح من أجل بناء هذا النوع من الهوية من خلال التعليم، وتشجيع القراءات النقدية الغير متحيزة للتاريخ، وتنظيم اللقاءات الجامعة على مستوى النخبة ومستوى عامة الشعب، وتعزيز النشاطات المشتركة مع الآخرين على صعيد الحياة اليومية. إن السير في هذه الرحلة الطويلة الأمد هو طريق لتشجيع كل فرد في المنطقة ليعيد تقييم الحركات الأصولية الدينية ويرفضها، كما أنه في الوقت نفسه سبيل جيد لتقديم صورة حقيقية عن الأديان تمحو الصور السيئة التي تراكمت عبر قرون من النزاع وتسخير الدين لخدمة الأهداف السياسية والاقتصادية.

أن يعرف المسيحي الشرق أوسطي معنى مسيحيته الحقيقي ويتبنى نهج المسيح يسوع في حياته اليومية ليس حلماً رومانسياً بل رحلة تتطلب التضحيات، إلا أنه الطريقة الوحيدة التي لا تحافظ على وجود مسيحيي الشرق الأوسط فحسب بل على أمانتهم لإرساليتهم في أن يكونوا ملحاً يصنع الفارق ونوراً يضيء رغم الظلمة.

من المؤكد أن السعي لبناء هوية مشرقية جامعة لا يضمن ازدياداً هائلاً في أعداد المسيحيين في المنطقة ولكنه يحيي مسيحية لديها شجاعة المسيح وتستحق السؤال عن مستقبلها ودورها. من المؤكد أن هذا السعي لا يضمن نجاحاً باهراً إلا أنه سعي متناسب مع هوية المسيح الذي يضحي بحياته من أجل حياة أفضل لآخرين، والذي لا يسمح لعتمة العالم أن تمنعه عن السير نحو الضوء في آخر النفق.

الأخ خيرالله عطاالله

خادم ديني في الكنيسة الإنجيلية الوطنية في المالكية

0

One thought on “هل من ضوء في آخر النفق؟ – الأخ خيرالله عطاالله”

اترك تعليقاً