مِنَ الألم إلى التمجيد (القسيسة رولا سليمان)

القسيسة رولا سليمان

راعية الكنيسة الإنجيلية الوطنية في طرابلس

جاءتنا هذه القصّة على لسان امرأة عملت في عيادة طبيب أسنان، فقالت: “كنتُ أثناء عملي، عندما أتى مريض يخاف من طبيب الأسنان، وكان بحاجة إلى سحب عصب الضّرس وتلبيسه. وعندما أتى الطبيب طمأنه بأنه لن يشعر بأيّ ألم بعد إبرة التّخدير. قبِل الرجل وجلس على كرسي المريض، حيث أخذ الطبيب الإبرة وغزّها لتخدير فم المريض، ثمّ قال له بأنه سينتظر بضعة دقائق ليبدأ بسحب العصب حتّى يتخدّر فمه بالكامل. قال هذا وترك الغرفة ليُجري اتصالاً. وحين عاد إذ به يتفاجأ بالمريض واقفاً عند صينية المُعدّات. فأستغرب الطبيب وسأله عمّا يفعله هناك؟ فأجابه المريض دون أن يلتفت إليه قائلاً: “إنني أزيح جانباً الأدوات التي لا أحبّها والتي تؤلمني”.

لا أحد منّا يُحب الوجع والعذاب، وإذا كانت لدينا الحريّة أن ننتقي من حياتنا الاختبارات التي لا نحب لحذفها، لكنّا جميعنا انتقينا الألم، التعب، الضيقات، الحزن، الخسارة، والوجع. لكن للأسف، كما أنّ الأدوات جزء طبيعي من عيادة طبيب الأسنان، هكذا الآلام فهي جزء طبيعي من الحياة. هذا الموضوع لطالما كان من أهم المواضيع التي تؤثّر في الإنسان، لأنّها تعنيه بشكل مباشر ويومي. لذا في هذا التأمّل سأتكلّم عن الألم من وجهة نظر بولس الرسول وما حصل معه (2 كورنثوس 12: 1-10).

بدايةً من المهم جدّاً أن نشير إلى أنّ وجود الشرّ في العالم ليس مصدره الله، إنّما سببه الخليقة السّاقطة. نحن نعيش في عالمٍ الموت فيه جُزءٌ طبيعي كالحياة، فكلّ شيء يكبر ويموت؛ إضافة لوجود الأمراض والأوجاع والأحزان. أما بالنسبة لبولس الرسول، فإنّ هذا الألم الذي اختبره عاد عليه بالمنفعة له ولحياته الروحية: “وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ” (2 كورنثوس 12: 7). بولس، رسول الأمم، كان لديه ألم ووجع جسدي، لكنه رغم ذلك فقد تعلّم كيف يُحوّل هذا الألم إلى هدفٍ إيجابي، ساعده على التواضع أمام الربّ. هذا المرض، لا نعرف تماماً ما هو، لكنه عندما علم بأنه لا يستطيع التَّخلّص من وجعه، حوّل هذا الوجع إلى درس في الإيمان والتواضع.

(1) يقول إنه من خلال الألم يستطيع الرب يسوع أن يُبيّن سلطانه وقوّته في حياتنا: “مِنْ جِهَةِ هذَا أَفْتَخِرُ. وَلكِنْ مِنْ جِهَةِ نَفْسِي لاَ أَفْتَخِرُ إِلاَّ بِضَعَفَاتِي.” (2 كورنثوس 12: 5). فهو يعلّمنا أنّه في الضّعف والألم، يستطيع الله أن يصنع عجائب في حياتنا. امتلك بولس الكثير من المميزات، فكان قائداً روحيًّا عظيماً، صاحب رؤية وسلطان وشعبية، كل ذلك كان من المُمكن أن يجعله إنساناً مُتكبّراً، صاحب برٍّ ذاتيٍّ كما كان الفريسيّون والكتبة.

(2) من خلال الألم، يستطيع الله أن يعمل في حياتنا حين نشعر بضعف، وحين لا نستطيع عمل أي شيء: ” تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ” (2 كورنثوس 12: 9). إننا لا نستطيع رؤية عمل الله في حياتنا طالما أنّنا مُتكبّرون، إلّا إذا اعترفنا بضعفاتنا، وطلبنا من الرب أن يتمجَّد حتى في آلامنا. هنا أذكر أجمل الآيات (رومية 8: 28) “وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ”. هذه الآية لا تقول إنّ الشرّ يأتي من الله، ولا تقول إنّ كل الأمور التي تحدث هي جيّدة، ولكنّها تقول إنّنا عندما نُحبّ الله ونعيش حسب مشيئته، سوف تتحوّل كلّ الأمور التي تحصل معنا، جيّدة أم سيّئة، للأفضل لنا.

أشارككم قصّة أخرى: صبيّ كان يتذمَّر لجدّته على رفاقه الذين يعاملونه بطريقة سيّئة، وعلى كمّية الدرس المُعطاة من المُعلّمة، وعلى أخته التي تُزعجه في البيت. في الوقت الذي كانت جدّته تحضّر قالب حلوى. فقالت له: “أتريد أن تأكل وجبة خفيفة؟” فأجابها: بالطّبع. فقالت له أتحبّ أن تأكل الطّحين، فقال لا.. ثمّ قالت أتحبّ أن تأكل زيت نباتي؟ فأجاب: طبعاً لا.. أخيراً قالت ماذا عن تناول بيضتَيْن نيّئتَيْن؟ فصرخ مُتفاجئاً: لا.. فأجابته جدّته بأنّ كلّ من هذه المكوّنات بمفردها قد لا تعجبنا، لكن عندما نجمعها معاً ونضعها في الفرن، فإنّنا نصنع منها قالب حلوى جميل ولذيذ.

هكذا هي الحياة يا أحبّة، الله يستخدم مكونات حياتنا الجميلة والقبيحة والمؤلمة، ويُحوّلها إلى قطعة فنّية رائعة الجمال. لنتذكّر دائماً كلمات بولس الرسول (رومية 8: 18) “فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا.”

(من أرشيف النشرة، الفصل الثالث 2018)

0

One thought on “مِنَ الألم إلى التمجيد (القسيسة رولا سليمان)”

اترك تعليقاً