تأليه الزعيم… في الكتاب المقدّس (القس ربيع طالب)

القس ربيع طالب

- رئيس تحرير مجلة النشرة

- راعي الكنيسة الإنجيلية الوطنية في علما الشعب

النص الكتابي: 1 صم. 8

يوجد في الكتاب المقدّس الكثير من الشخصيّات الاستثنائية، التي كانت لها شعبيتها الكبيرة، فيمكن إطلاق عليهم لقب “الزعيم”؛ مثل: موسى، يشوع، داود، ويوحنا المعمدان…

ظهور قادة للناس هو أمرٌ طبيعي، منذ أن وُجد الإنسان، كانت له علاقاته الاجتماعية، فكان لا بدّ من بروز بعض القادة؛ قادة سياسيّين، فكريّين، وروحيّين…

كلّ شخصٍ منّا تأثّر بشخصية معيّنة، فقادتْه باتجاه معيّن. حتّى في الكنيسة، فكنيستنا المشيخية على سبيل المثال، هي كنيسة مُصلحة تحمل فكر المُصلحين، وأوّلهم جان كلفن… شئنا أم أبينا، فهو يؤثّر فينا لاهوتيًّا، رغبنا في ذلك أو لا، وعلمنا بذلك أو لا… فلدينا إرث لاهوتي تشبّعنا به منذ صغرنا. ولا يُخفى على أحد أيضًا مدى تأثير الراعي بالرعية، فبعد سنوات من خدمة الراعي لرعيّة معيّنة، نرى أنّهم أصبحوا يشبهونه في الفكر اللاهوتي، وأحيانًا يتعدّى الشبه اللاهوت.

لكن هل من الممكن أن تصبح تبعيّتنا لقائد ما سبب عثرة لنا؟

نعم طبعًا! فالكتاب المقدّس لا يُلغي القيادات وضرورتها، فهي أمر بشري وطبيعي جدًّا، لكن يوجد حدود لهذه التبعيّة. واليوم من خلال هذه العظة، همّنا ليس سياسيًّا، إنّما روحي، ونحن نستقبل ملك الملوك يسوع المسيح. نستقبله وبلادنا غارقة بالفوضى، وجميعنا من أيّ طرف كنّا، نستطيع أخذ العِبَر من هذا التأمّل.

كما قُلنا في أوّل العظة، يوجد الكثير من القادة في الكتاب المقدّس، لكن أولى الملوك السياسيّين الشرعيّين للشعب اليهودي، بعد أن طالب الشعب بذلك بحسب الكتاب المقدّس، كان الملك شاول.

كل ملك يهودي، كان يُدعى المسيح، لأنّه يُمسح ملكًا، كما مسح النبي صموئيل الملك شاول. إذًا، بالنسبة للملوك في العهد القديم، فصلاحيّاتهم كبيرة جدًا، وتكاد تكون غير محدودة، لأنّهم جمعوا بين الحكم السياسي والغطاء الديني.

إذًا فكرة الملك الإله، وتأليه الحاكم هي ليست بظاهرة جديدة. لكن ماذا يقول الكتاب المقدّس عن هذه الظاهرة؟

بحسب صموئيل الأوّل 8:

بدأت المشكلة، عندما اجتمع شيوخ إسرائيل وجاؤوا للنبي صموئيل، طالبين أن يكون لهم ملك يقضي لهم كباقي الشعوب. حزن النبي وكلّم الرب بذلك، غير أن جواب الرب لصموئيل كان لصالح طلب الشعب، مُوضّحًا لصموئيل بأنّ رفض الشعب ليس للنبي، بل لله الذي يملك عليهم.

المشكلة لم تكن بطلب الشعب لملك، إنّما بإضافة عبارة: “اجْعَلْ لَنَا مَلِكًا يَقْضِي لَنَا كَسَائِرِ الشُّعُوبِ“…

في عبارة “كسائر الشعوب” لب الصدام، فدور الملوك في الممالك الأخرى مختلف، هم لم يكونوا ملوكًا ممسوحين مِنَ الله وموكّلين لرعاية شعبه. إذ كان الملك، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، هو الإله نفسه، أو بأقل تقدير ممثّل الإله على الأرض.

فالفرعون المصري، على سبيل المثال، لم يكن مجرّد ملك “نسو”، بل كان إلهًا “نثر” متجسّدًا… فالفرعون كان يُعتبر بأنه التجسد للإله حورس، وبعدما يموت ينتقل ليتّحد بالإله أوزوريس (والد اللإله حورس وهو إله الحساب ورئيس محكمة الموتى).

امتدّ هذا الفكر لسنوات طويلة، فنستطيع أن نقرأ مثلًا عن عبادة الأباطرة الرومان، وعن بعض الطقوس لعبادة الإمبراطور، وكأنه الإله المتجسّد.

الكتاب المقدّس يرفض بطريقة واضحة تأليه الزعيم والقائد، وحتّى الملوك الممسوحين، لم يتوانى الكتاب المقدّس عن إظهار أخطائهم؛ من شاول الملك الذي تعدّى على دور الكهنة، وجرّب أن يكون الملك والكاهن؛ إلى الملك داود الذي شاهد امرأة متزّوجة وهي تستحم (بثشبع)، فدعاها لقصره، وأقام معها علاقة وحبلت منه، فما كان منه إلّا وأرسل أمر ليوآب رئيس جيشه، ليضع زوجها (أحد جنوده) أوريّا في الصفوف الأمامية ليُقتل.

يتقصّد كُتّاب الأسفار، على إظهار أخطاء الجميع. فاذهب للكتاب المقدّس وتأمّل بتفاصيل كلّ الشخصيّات المهمّة، عدى المسيح، وستكتشف أنّها لم تكن كاملة… فالسبب وراء ذكر هذه التفاصيل هو التأكيد على بشريّة هؤلاء القادة، وبأنّهم أيضًا، كباقي الناس، عرضة للتعثّر وأخذ القرارات الخاطئة.

إنّ عبادة الزعيم بطريقة عمياء، دون المحاسبة، لها نتائج كارثية على الشعب.  وهنا نرى كيف أنّ الله طلب من النبي صموئيل أن يُخبر الشعب مُسبقًا، كيف سيحكم عليهم الملك، وهنا أدعوكم للتأمّل في حكم الملك، وكيف أنّ الكثير من الأفعال تُطبّق اليوم… فقال:

“هذَا يَكُونُ قَضَاءُ الْمَلِكِ الَّذِي يَمْلِكُ عَلَيْكُمْ: يَأْخُذُ بَنِيكُمْ وَيَجْعَلُهُمْ لِنَفْسِهِ، لِمَرَاكِبِهِ وَفُرْسَانِهِ، فَيَرْكُضُونَ أَمَامَ مَرَاكِبِهِ. وَيَجْعَلُ لِنَفْسِهِ رُؤَسَاءَ أُلُوفٍ وَرُؤَسَاءَ خَمَاسِينَ، فَيَحْرُثُونَ حَرَاثَتَهُ وَيَحْصُدُونَ حَصَادَهُ، وَيَعْمَلُونَ عُدَّةَ حَرْبِهِ وَأَدَوَاتِ مَرَاكِبِهِ. وَيَأْخُذُ بَنَاتِكُمْ عَطَّارَاتٍ وَطَبَّاخَاتٍ وَخَبَّازَاتٍ. وَيَأْخُذُ حُقُولَكُمْ وَكُرُومَكُمْ وَزَيْتُونَكُمْ، أَجْوَدَهَا وَيُعْطِيهَا لِعَبِيدِهِ. وَيُعَشِّرُ زُرُوعَكُمْ وَكُرُومَكُمْ، وَيُعْطِي لِخِصْيَانِهِ وَعَبِيدِهِ. وَيَأْخُذُ عَبِيدَكُمْ وَجَوَارِيَكُمْ وَشُبَّانَكُمُ الْحِسَانَ وَحَمِيرَكُمْ وَيَسْتَعْمِلُهُمْ لِشُغْلِهِ. وَيُعَشِّرُ غَنَمَكُمْ وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لَهُ عَبِيدًا.”

علم الشعب ماذا سيفعل بهم هكذا ملك إله، واستمرّوا في طلبهم، حتّى بعد تحذير الرب لهم… فانتهى صموئيل النبي بقوله لهم: ” فَتَصْرُخُونَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مِنْ وَجْهِ مَلِكِكُمُ الَّذِي اخْتَرْتُمُوهُ لأَنْفُسِكُمْ، فَلاَ يَسْتَجِيبُ لَكُمُ الرَّبُّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ”!

سيكون لنا دائمًا قادة، لكن لنختر القادة الذين يَخدمون الشعب، وليس الذين يُخدمون من الشعب…

فنحن كمسيحيّين لنا مقياس واحد نقيس عليه كلّ خياراتنا، وهو الربّ يسوع، ملك الملوك… الذي قال في متى 20: 25-28: “فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.”

آمـــــــين

0

اترك تعليقاً