يسوع بين الهيكل والصليب – القس سلام حنّا

النصّ الكتابي: مرقس 15: 16 – 41

في مثل هذا اليوم منذ حوالي الألفيّ عام، قامت السلطات اليهوديّة والسلطات الرومانيّة بصلب يسوع الناصري على تلةّ الجلجثة بجانب أورشليم. السلطات اليهوديّة مُمثّلةً بِرؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ، والسلطات الرومانيّة مُمثّلةً ببيلاطس البنطي وجنوده، توصّلت إلى اتّفاقٍ بِضرورة التخلص مِنْ يسوع بإنهاء حياته، وبالتالي إنهاء تعليمه وأفعاله وحركته وجماعته. وسببُ هذه الرغبة وهذا القرار بالتخلّص مِن يسوع يعود إلى مواجهة يسوع لهم برسالة ملكوت الله في عقر دارهم، أي في أورشليم وفي الهيكل.

فمنذ أن دخل الربّ يسوع إلى أورشليم فيما نسمّيه أحد الشعانين، دخل في مواجهةٍ مع سلطات الهيكل بأفعال وتعاليم ونقاشات اعتبروها مستهدفةً لهم ومُهدّدةً لِسُلطتهم. وتذخر الإصحاحات الأخيرة من الأناجيل ومنها إنجيل مرقس بالعديد مِن الأحداث التي توثّق هذه المواجهات.

لقد شكّلت هذه المواجهات سببًا كافيًا لِسلطات الهيكل لتسليم الربّ يسوع للسلطات الرومانيّة التي يرأسها بيلاطس البنطي، كَيْ يُصْلَب يسوع، فيكون عِبرةً لتلاميذه وأتباعه ولكلّ مَنْ يتحدّث بفكرٍ مُغايرٍ لتفكيرهم، أو يعلنُ ملكوتًا مختلفًا عن ممالكهم، وبالتالي يوجّه لهم النقد بالكلام أو بالأفعال.

 مِن أهمّ هذه المواجهات، هي نقد الرب يسوع لهيكل أورشليم. وعندما نقول الهَيكل، فنحن لا نقصد البناء فحسب، بل ما يُمثّله هذا الهيكل كمؤسسة دينية واقتصادية وسياسية شكّلت مركزيّة الحياة والإدارة في فلسطين تحت الاحتلال الروماني.

ويظهر غضب سلطات الهيكل وأتباعهم مِنْ موقف يسوع من الهيكل في عدّة أماكن: بعد فعل تطهير الهيكل، في اليوم الذي تلاه عندما كان يمشي في الهيكل، عند المحاكمة، وعند الصلب.

1.      بعد فعل تطهير الهيكل (مر 11: 18): “وَسَمِعَ الْكَتَبَةُ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ فَطَلَبُوا كَيْفَ يُهْلِكُونَهُ، لأَنَّهُمْ خَافُوهُ، إِذْ بُهِتَ الْجَمْعُ كُلُّهُ مِنْ تَعْلِيمِهِ”.

2.      عندما كان يمشي في الهيكل (11: 27 – 28): “وَجَاءُوا أَيْضًا إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَفِيمَا هُوَ يَمْشِي فِي الْهَيْكَلِ، أَقْبَلَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ، وَقَالُوا لَهُ: «بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ وَمَنْ أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ حَتَّى تَفْعَلَ هذَا؟»”.

3.      عند مُحاكمة الرب يسوع (14: 57 – 59): ” ثُمَّ قَامَ قَوْمٌ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ زُورًا قَائِلِينَ: «نَحْنُ سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: إِنِّي أَنْقُضُ هذَا الْهَيْكَلَ الْمَصْنُوعَ بِالأَيَادِي، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِي آخَرَ غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِأَيَادٍ». وَلاَ بِهذَا كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ تَتَّفِقُ”.

4.      عندما كان مُعلّقًا على الصليب (15: 29 – 31): ” وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ، وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ قَائِلِينَ: «آهِ يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ! خَلِّصْ نَفْسَكَ وَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!»”.

فما الذي فعله الربّ يسوع تجاه الهيكل؟ ولماذا شكّل سببًا رئيسيًّا ومادّةً أساسيّةً دفعت سلطات الهيكل للحكم عليه بالصلب؟

يظهر موقف الربّ يسوع مِنَ الهيكل أيضًا في مكانَيْن:

1.      دخول الربّ يسوع للهيكل وقيامه بالحركة المعروفة باسم تطهير الهيكل (مر 11: 15-19).

2.      كلام الربّ يسوع عن الهيكل في (مر 13: 1 – 2) “وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنَ الْهَيْكَلِ، قَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: «يَا مُعَلِّمُ، انْظُرْ! مَا هذِهِ الْحِجَارَةُ! وَهذِهِ الأَبْنِيَةُ!» فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «أَتَنْظُرُ هذِهِ الأَبْنِيَةَ الْعَظِيمَةَ؟ لاَ يُتْرَكُ حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ»”.

إذًا فقد قام الربّ يسوع بالفعل كما القول بمواجهة المؤسّسة الدينيّة وما تمثّله ومن تمثله وما تقوم به. فماذا عنت تلك الأفعال وتلك الأقوال؟

أوّلًا: الفعل في الهيكل (مر 11: 15-19):

يقع نصّ الفعل في الهيكل في إنجيل مرقس بين نصَّيْن عن شجرة التين غير المُثمرة (مر 11: 12- 14، 20 – 21).

يضع مرقس عبارة: “لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ” (مر 11: 13). فالشهر كان نيسان، وَمِنَ المُتوقّع ألّا يجد الرب يسوع تينًا.

الربّ يسوع ليس مشغولًا بالتين ولا بشجرة التين، وإنّما يُشير إلى أمرٍ أعمق من ذلك، وهو الهيكل. لذا فالفكرة هي فكرة رمزيّة.

إنّ إحاطة نص تطهير الهيكل قبل وبعد بشجرة التين تؤكّد ذلك.

إن البشير مرقس معروفٌ بهذا الأسلوب في الكتابة، فهو يبدأ بِفكرةٍ، فيُدخل فكرة ثانية، ومِن ثمّ يعود إلى الفكرة الأساسيّة التي بدأ بها.

ما تمّ في الهيكل ليس مجرّد تطهير، وإنّما تدمير رمزيّ للهيكل.

لفهم ما قام به الرب يسوع في الهيكل علينا أن نستعين بنص من إرميا النبي (إر 7: 2- 4):

“قِفْ فِي بَابِ بَيْتِ الرَّبِّ وَنَادِ هُنَاكَ بِهذِهِ الْكَلِمَةِ وَقُلْ: اِسْمَعُوا كَلِمَةَ الرَّبِّ يَا جَمِيعَ يَهُوذَا الدَّاخِلِينَ فِي هذِهِ الأَبْوَابِ لِتَسْجُدُوا لِلرَّبِّ. هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: أَصْلِحُوا طُرُقَكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ فَأُسْكِنَكُمْ فِي هذَا الْمَوْضِعِ. لاَ تَتَّكِلُوا عَلَى كَلاَمِ الْكَذِبِ قَائِلِينَ: هَيْكَلُ الرَّبِّ، هَيْكَلُ الرَّبِّ، هيْكَلُ الرَّبِّ هُوَ!”

تشير هذه الآيات إلى أنّهم كانوا يُسلّمون جدلًا بأنّ حضورهم وتواجدهم في الهيكل وحضور الله فيه يضمن لهم أمن أورشليم وأمنهم أيضًا، وليس مطلوبًا مِنهم أيّ شيءٍ آخر.

غير أنّ إرميا يوبّخهم ويقول لهم بأنّ عبادة الله بالتواجد داخل الهيكل ليست كافية، وأنها لن تعفيهم من العدالة الإلهيّة. فهل كلّ ما يطلبه الله هو المواظبة على التواجد في الهيكل، بدل صُنع العدل للناس؟

يقول إرميا:

“لأَنَّكُمْ إِنْ أَصْلَحْتُمْ إِصْلاَحًا طُرُقَكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ، إِنْ أَجْرَيْتُمْ عَدْلاً بَيْنَ الإِنْسَانِ وَصَاحِبِهِ، 6  إِنْ لَمْ تَظْلِمُوا الْغَرِيبَ وَالْيَتِيمَ وَالأَرْمَلَةَ، وَلَمْ تَسْفِكُوا دَمًا زَكِيًّا فِي هذَا الْمَوْضِعِ، وَلَمْ تَسِيرُوا وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لأَذَائِكُمْ فَإِنِّي أُسْكِنُكُمْ فِي هذَا الْمَوْضِعِ، فِي الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتُ لآبَائِكُمْ مِنَ الأَزَلِ وَإِلَى الأَبَدِ.” «هَا إِنَّكُمْ مُتَّكِلُونَ عَلَى كَلاَمِ الْكَذِبِ الَّذِي لاَ يَنْفَعُ. أَتَسْرِقُونَ وَتَقْتُلُونَ وَتَزْنُونَ وَتَحْلِفُونَ كَذِبًا وَتُبَخِّرُونَ لِلْبَعْلِ، وَتَسِيرُونَ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا، ثُمَّ تَأْتُونَ وَتَقِفُونَ أَمَامِي فِي هذَا الْبَيْتِ الَّذِي دُعِيَ بِاسْمِي عَلَيْهِ وَتَقُولُونَ: قَدْ أُنْقِذْنَا. حَتَّى تَعْمَلُوا كُلَّ هذِهِ الرَّجَاسَاتِ؟ هَلْ صَارَ هذَا الْبَيْتُ الَّذِي دُعِيَ بِاسْمِي عَلَيْهِ مَغَارَةَ لُصُوصٍ فِي أَعْيُنِكُمْ؟ هأَنَذَا أَيْضًا قَدْ رَأَيْتُ، يَقُولُ الرَّبُّ.” (إر: 7: 5- 11)

في هذا السياق تأتي عبارة مغارة اللصوص بشكلٍ واضحٍ. فالظّلم اليوميّ للناس يجعل مِن الكهنة اليهود لصوصًا، وهم يظنّون أنّ الهيكل مكان آمن، مغارة، مَخبأ وملجأ لهم يتسترون به.

لم يأتي إرميا بأيّ جديد بهذا التوجيه، فهناك تراثٌ نبويٌّ قديمٌ يقول بأنّ الله يُصرّ على إعلاء العدالة فوق العبادة. فقد ذُكِرت هذه الفكرة “رفض العبادة بسبب قلّة العدالة”، والعكس غير صحيح فلم تُذكر فكرة “أرفض عدالتكم بسبب قلة عبادتكم”.

أمثلة كتابيّة على ذلك:

  • عاموس 5: 21 – 24

“بَغَضْتُ، كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ، وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُمْ. إِنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لِي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لاَ أَرْتَضِي، وَذَبَائِحَ السَّلاَمَةِ مِنْ مُسَمَّنَاتِكُمْ لاَ أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. أَبْعِدْ عَنِّي ضَجَّةَ أَغَانِيكَ، وَنَغْمَةَ رَبَابِكَ لاَ أَسْمَعُ. وَلْيَجْرِ الْحَقُّ كَالْمِيَاهِ، وَالْبِرُّ كَنَهْرٍ دَائِمٍ.”

  • هوشع 6: 6

إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ

  • ميخا 6: 6 – 8

“بِمَ أَتَقَدَّمُ إِلَى الرَّبِّ وَأَنْحَنِي لِلإِلهِ الْعَلِيِّ؟ هَلْ أَتَقَدَّمُ بِمُحْرَقَاتٍ، بِعُجُول أَبْنَاءِ سَنَةٍ؟ هَلْ يُسَرُّ الرَّبُّ بِأُلُوفِ الْكِبَاشِ، بِرِبَوَاتِ أَنْهَارِ زَيْتٍ؟ هَلْ أُعْطِي بِكْرِي عَنْ مَعْصِيَتِي، ثَمَرَةَ جَسَدِي عَنْ خَطِيَّةِ نَفْسِي؟ قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلهِكَ.”

(يوجد أيضًا نصّ مُهمّ وهو إشعياء 1: 11 – 17).

إذًا بحسب الأنبياء، الله يهتم بالعدل، بالرحمة، بالحق، وبالتواضع أكثر بكثير من اهتمامه بعبادة وطقوس وواجبات روتينية، حتى وإن كانت دينيّة. إنّني أرفض عبادتكم بسبب قلة عدالتكم، وبالتالي أرفض مكان عبادتكم – أي الهيكل – لأنّكم لا تجرون فيه العدل والحق.

يسوع ومغارة اللصوص:

لقد تضمّنت حادثة الهيكل فعلًا وتعليمًا يشرح الفعل. وهو أمرٌ نموذجي بالنسبة للرمزية النبويّة. كما أنّ ردّتا الفعل كانت متناقضة تجاه فعل وقول يسوع: فمن جهة كانت الهلاك بطلبٍ مِن رؤساء الكهنة والكتبة، ومن جهة أخرى الدعم مِن قِبَل الجمع.

أولًا: إنّ الحركة أو الفعل الذي قام به الرب يسوع، يتضمّن أربعة أجزاءٍ:

  1. ابتدأ يُخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل.
  2. قَلَب موائد الصيارفة.
  3. قَلَب كراسي باعة الحمام.
  4. لَمْ يدع أحدًا يجتاز الهيكل بمتاعٍ.

لا بُدّ أن نذكر هُنا بأنّ الصيارفة وباعة الحيوانات كانوا موجودين بشكلٍ شرعيٍّ وضروريٍّ لتسيير أعمال الهيكل. فوجود الصيارفة مهمٌّ حتّى يتمكّن الناس مِن دفع ضريبة الهيكل بالعملة اليهودية المقبولة بالهيكل، وليس بالعملة الرومانية. وشراء الحيوانات أو الطيور كان الطريقة الوحيدة ليتأكّد منها الحُجّاج بأن المخلوق كان مقبولًا طقسيًّا للذبيحة.

فماذا يعني أن يسوع قاطع نشاط الهيكل الذبائحيّ الشرعيّ؟

هذا يعني أنّ يسوع أغلق الهيكل، لكنّ الإغلاق رمزيّ وليس حرفي، فهو عملٌ نبويّ، تمامًا كشجرة التين التي حُكم عليها بالموت فتَيْبَس لأنها بلا ثمر، هكذا كان الهيكل. فعمل يسوع ليس تطهيرًا لممارساتٍ خاطئةٍ فقط، وإنّما تدميرًا لكلّ هذه الهيكليّة، وهذا ما تؤكّده شجرة التين التي يَبِسَت مِن أصولها.

لكنّ السؤال الآخر، ماذا كانت المُشكلة في الهيكل حتى يتم تدميره بشكل رمزيّ؟ الجواب يأتي من الكلمة التي تَبِعَت الفعل النبوي.

ثانيًا: الكلمة:

” وَكَانَ يُعَلِّمُ قَائِلاً لَهُمْ: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا: بَيْتِي بَيْتَ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ؟ وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ.” (مر 11: 17)

قد يظنّ البعض بأنّ مغارة اللصوص تشير إلى الصرافة والبيع والشراء في الهيكل، لكن الإشارة هي إلى إرميا. فمغارة اللصوص هي مخبأ أو بيت أو ملجأ للصوص، هي ليست حيث اللصوص يسرقون فقط، وإنّما حيث اللصوص يهربون ويختبئون بعد أنْ يكونوا قد سرقوا في مكانٍ ما.

أيضًا قول يسوع عن الهيكل (مر 13: 1 – 2):

“وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنَ الْهَيْكَلِ، قَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: «يَامُعَلِّمُ، انْظُرْ! مَا هذِهِ الْحِجَارَةُ! وَهذِهِ الأَبْنِيَةُ!» فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «أَتَنْظُرُ هذِهِ الأَبْنِيَةَ الْعَظِيمَةَ؟ لاَ يُتْرَكُ حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ”.

إنّ هذا الكلام سواء كان تنبّؤًا أو تهديدًا، فإنّه يُشكّل خطرًا على الهيكل، هذا المكان وهذه المؤسسة الجوهرية والمركزية في حياة اليهود الدينية والاقتصادية والسياسية ورمزيّتها الوجوديّة.

ليست المشكلة في الصلاة والذبائح، إنّما حين نظنّ أنّ الصلاة والذبائح تكفي دون صنع الحق والعدالة. فالله هو إله العدالة والبِرِّ وعندما تتم العبادة دون العدالة، فإن الله سيعتبر هذه العبادة زائفة، وبالتالي سيرفض الهيكل بكلّ ما فيه وبكلّ من فيه لأنّه بلا ثمر.

إنّ موقف الربّ يسوع مِنَ الهيكل بالفعل وبالقول، شكّلوا إحدى الأسباب الرئيسيّة التي قادت السلطات اليهودية لتسليم الرب يسوع للسلطات الرومانية كي يُصلب. كما ذكرنا، فقد تمّ اتّهام يسوع عند المحاكمة بأنّه قال أنّه ينقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي وفي ثلاثة أيام يبني آخر غير مصنوع بالأيادي. وعند الصّلب تمّ التجديف على يسوع من قِبَل المُجتازين وهم يهزّون رؤوسهم قائلين آه يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيّام. خلّص نفسك وانزل عن الصليب.

صليب الربّ يسوع هو ثمن إعلان الربّ لملكوت الله الناقض لمؤسسة الهيكل وما تمثّله ومَنْ تُمثّله. صليب يسوع هو ثمن المواجهة بين الحق والباطل، بين العدالة والعبادة الزائفة التي تتنكّر للعدالة، بين الرحمة والذبيحة، وبين الإنسان والسبت.

اليوم لا زال في عالمنا هياكل متنوّعة تُشبِه هيكل أورشليم. فنحن نعيش ضِمْن تركيباتٍ وهيكليّاتٍ ومؤسّساتٍ دينيّةٍ واجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ وغيرها لا تُحقّق للناس حقوقهم وكرامتهم وسلامهم، وبشكلٍ خاصٍّ الناس المساكين والفقراء والبؤساء.

ولا يزال صوت يسوع النبويّ ينتقد التركيبات والهيكليّات مِن مؤسّساتٍ وهيئاتٍ (سواء كانت كنائس أو أديان أو مجتمعات أو تقاليد بالية أو جمعيات أو شركات أو غيرها) لا تُحقّق إنسانيّة الإنسان. وهو يدعونا جميعًا إلى مواجهتها بإحقاق الحقّ والعدل، ونشر المحبّة والرحمة، وبناء الإنسان والإنسانيّة، وزرع السلام والحريّة. ولا يزال أيضًا ثمن هذه المواجهة هو الصليب، فالمسيح يُصلب مِنْ جديدٍ على يد سُلطات الهيكل.

لقد دعا الرب يسوع الجمع وتلاميذه بالقول: “مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي.” (مر 8: 34)

يسوع بين الهيكل والصليب، والسؤال لنا اليوم: هل نحن مُستعدّون أنْ نحمل صليب مواجهتنا مع هياكل وتركيبات الشرّ في العالم؟ هذا هو معنى احتفالنا بذكرى صلب الرب يسوع. له المجد إلى الأبد. آمين.

0

اترك تعليقاً