يسوع الشاكِر – جون هنري جويت

“فَلَمَّا اتَّكَأَ مَعَهُمَا، أَخَذَ خُبْزًا وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَنَاوَلَهُمَا، فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ ثُمَّ اخْتَفَى عَنْهُمَا” (لوقا 24: 30 – 31).

أودّ أن أوجّه تفكير قرّائي إلى واحدةٍ من عادات ربّنا الشخصيّة ألا وهي عادتُه في رفع صلوات الشكر. كلّ من يعرِف العهد الجديد يعرِف كيف أنَّ الحياة الرسوليّة كانت زاخرة بالتمجيد والتسبيح. وكانت هذه التسابيح، خلال أيّامهم المُتغيّرة، تنطلِق وكانّها نهرٌ يُسَبّح الله ويمجّدُه. مِن أين تعلّموا هذه التسبيحة؟ تعلّموها مِن الربّ. إنّ عادة “المعلّم” تركت إنطباعًا عميقًا في نفوسهم، فلا بدّ مِن وجود شيءٍ استثنائيٍّ ومميّزٍ بشأنِها. لقد أُخبِرْنا عن تلميذين كانا منطَلِقَيْن إلى قرية “عمواس” بعد الأحداث الرهيبة التي حدثت في بيت لحم، وكيف عرفا ربّهُما المُقام عندما بدأ يشكُر! عرفاه عندما كسر الخبز. عرفاه من خلال شُكرِهِ والطريقة التي عبّر بها عنه. عُرِفَ بتسبيحه! فلنتذكّر معًا مَثَلَيْن أو ثلاثة أمثلة لهذه العادة المُنيرة عند ربّنا!

“فأخذ يسوع الأرغفة وشكر” كان المكان عاديًّا ومألوفًا، والخبز عاديًّا، ولكنّه ربطهما بالإله، فلم يعُد المكان عاديًّا. قدّم الشكر وبهذا التمييز إنكشف العاديّ والمألوف ليُصبح مُقدّسًا. إنّ وجبة الطعام العاديّة أصبحت سرًّا مقدّسًا مع الحضور الغير المرئي والحقيقي الذي نُدركه على مائدة الربّ.

إنّ الإنسان الذي يُظهِر تسبيحَه بواسطة الأرغفة سيكون أيضًا شاكِرًا لحقول الذُرة، أشعّة الشمس، الندى، المطر؛ للحصّادين الذين يجمعون الذرة، للمسة الله في العُمّال، ولحجارة الرحى التي تطحن الحبوب والتي يُصْنَع مِنها الخبز. الإنسان الذي أخذ الأرغفة وقدّم الشكر، يشكر أيضًا لأجل الزنابق في الحقول، والأقحوان في موطنه. بالحقيقة، أنا أعتقد أن عادة “معلّمنا” في التسبيح جعلَت مِن كلّ شيءٍ عاديّ شيئًا مضيئًا، وكلّ شُجَيْرة على جانب الطريق أصبحتْ مُلْتهبَة مع الله. الله الذي همس موسيقى الشكر في القصبات المألوفة في الحقول.

إذا لم يقدر التلاميذ أن يفعلوا الشيء عينه، ونحن بدورنا إذا لم نلمس ونشعر بوجود الله في الأماكن العاديّة، فسيكون (الله) ضيفًا غريبًا ولا يتردّد كثيرًا عليْنا. لأنّ الحياة مركّبة مِن خُبُرات إعتياديّة. أحيانًا وفجأةً، قد يعترض الطريق شيءٌ غير اعتياديّ، ولكنّ المحتوى المألوف نادرًا ما ينكسر أو يتغيّر. هي النجوم الاعتياديّة التي تُضيء لنا ليلة تلو الليلة، وبالصدفة فقط قد يمرّ مُذنّب في الطريق. أنظر إلى بعض الأشياء العاديّة المألوفة يوميًّا – الصحّة، النوم، الزبدة والخبز، العمل، الصداقة، بضعة أزهار على جانب الطريق، ضحكات الأولاد، خدمة الغناء، يومٌ مشرق، ليلة هادئة – إذا كنتُ لا أرى الله في هذه الأشياء فطريقي تافه ولا قداسة فيه. ومِن جِهة أخرى، فالإنسان الذي يكتشف الإله في رغيف خبز، ويرفع أنشودة التسبيح، يكون عالمُه رائعًا، لأن الله يدعوه من كلّ جانب!

لا أدري كيف يمكنُنا أن نصقُل عادات “المعلّم” دون البدء بالخبز اليومي. فإنّنا إذا بدأنا بالخبز لا يمكن أن ننتهي هناك. إذا رأينا أشياءَنا العاديّة مُضاءة بالإله، فالأشياء العاديّة الأخرى ستُضيء، حتّى تبدو الحياة كمدينة تُرى ليلًا مِن مكانٍ مُرتَفع، وكلّ المصابيح المألوفة في الشوارع المألوفة مشتعلة ومنيرة بلهيب خفيّ. إذًا لنبدأ بالخبز، ولنُقدّم الشكر بوقار، وليس بالنقرة المُفاجئة والجُملة السطحية الحادّة على مأدبّة عشاءٍ عامّة. لنقدّم الشكر بهدوءٍ، بإدراكٍ وبجهدٍ كي نُدرِكَ حضور الإله المَهيب الرؤوف والرحيم. لنقدّم الشكر دون رسميّات وشكليّات، والتماس الخلاص من خلال الكلمات الخَطرة المخدّرة. لنغيّر أسلوبَنا في اللغة، لننحني أحيانًا بصمت، ولنشارك أهميّة ومغزى السكون المبجّل عند أصدقائنا.

دعونا نراقب “معلمنا” ونصغي إلى تسبيحه: “أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ” (متّى 11: 25). ربّنا يحمد الآب لأنّ الأسرار الروحيّة ليست مِن مُتطلّبات الثقافة، ولا نستطيع أن نصل إلى مملكة النعمة بالحذاقة. هو يقدّم الشكر لأن “هذه” الأشياء لم تكن تعتمد على المعرفة الأكاديميّة، وهي ليست جوائز للأذكياء، ولكنّها أُعْلِنَتْ للأطفال.

والآن، سجّل هذا: يمكن لواحد بين ستّة رجال أن يكون ذكيًّا، وواحد أن يمتاز بالمعرفة، ولكن يمكِن لكل الستة أن يمتلكوا المعرفة البسيطة الأوليّة. لا يمكن للستّة أن يكونوا بارعين، ولكن يمكنهم أن يكونوا متواضعين. لا يمكنهم أن يكونوا متعلّمين، ولكن يمكنهم أن يكونوا جديرين بالثقة. لا يمكنهم أن يصلوا إلى السيادة الفكريّة، ولكن يمكنهم أن يجلسوا على عرش الحبّ المُطلَق. وكل ذلك يعتمِد على ما يحدّد الربّ نظره إليه؛ إنّه القاسم المشترك الذي لأجله يُرفع التسبيح. يأخذ الخبز، المكان المألوف في الحياة، ويقدّم الشكر؛ يأخذ الطفل، الطبقة العامّة بين الناس، ويقدّم الشكر. يقدم الشكر لأجل الأماكن العامّة والأشياء العاديّة المألوفة. يشكر لأجل الأشياء المشتركة بين إراسموس وبيلي براي، بين سبيجون وجون جاسبر، بين أونيسموس والقديس بولس. إن تقديم الشكر من أجل الأماكن العامّة والمألوفة يصنع عالَمًا مُمَجّدًا: إنّ تقديم الشكر من أجل الأشياء الإعتياديّة يصنع عِرْقًا مُمَجّدًا. أحدهما يكشف النقاب عن عالمٍ هو بيت الآب؛ والآخر يكشف النّقاب عن عِرقٍ هو عائلة الآب.

والآن، أليس مِن المُسْتَحْسَن أن نُدرّبَ أنفسَنا على هذا الشكل مِن التسبيح؟ أليس مِن الحِكمة أن نسمح لأفكارِنا أن تطوف فوق الجنس البشري بغضّ النظر عن المستوى والوضع الإجتماعي، ونبحث عن الأشياء المُشتركَة ونرفع تسبيحة الشكر؟ هكذا تسبيح يمكنُه أن يحفظَ في أذهانِنا إحساسًا حيويًّا بالقيم النسبيّة للأشياء. علينا أن نُدرِكَ أنّ العلوم الأكاديميّة لا تُقارَن بالشعور بالوحدة، وأنّ الطاقة الجسديّة لا تملِك ذلك الموقف المقدّس للوداعة، وأنّ ذلك السموّ المجرّد لا يُؤخّذ بعين الإعتبار في عالمٍ مليء بالحبّ. وما يُمكن أن يكون مشتَرَكًا بيننا وبين الأكثر فقرًا والأكثر جهلًا هو مقتنياتُنا الأثمن.

أنظُر إلى “المعلّم” مرّةً ثانية: “فَرَفَعُوا الْحَجَرَ حَيْثُ كَانَ الْمَيْتُ مَوْضُوعًا، وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَقَالَ: «أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي”. لقد قدّم “المعلّم” الشكر قبلَ القيام بالمعجزة، بينما كان الميّت موضوعًا في القبر. قدّم التسبيح لا لانتصارٍ حقّقَه، إنّما لانتصارٍ سيُحقّقُه. تسبيحتُه لم تكن مِن أجل ما حصلَ عليه، إنّما لأجل ما سيحصل عليه. لقد قدّم الشكر قبْل أن يَخرُج الميت خارِجًا، وقبل أن تَجِفَّ دموعُ النائحين. تسبيحة الشكر هذه كانت في البداية وليس في النهاية.

“وَلَمَّا قَالَ هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!» فَخَرَجَ الْمَيْتُ…” (يوحنّا 11: 43-44)! لقد ارتعد ّ صوت التسبيح في هذه الصرخة التي أيقظتْ الميت.

هل تعلّمنا هذه العادة؟ هل هذا هو النظام اللّبِق لأفكارِنا وأشغالِنا؟ أحيانًا نشكر الله لأجل الطعام الذي سنتناوله. هل نشكر الله على الطاقة التي سنتناولُها؟ هل نشكر الله على الإنتصار الذي سنتناولُه؟ هل أخرج في الصباح لمواجهة النضال والصراع شاكِرًا النجاح الآتي ليملأني بالإبتهاج والرجاء القويّ؟ هل شيّدتُ مذبحَ شكري قبل أن أحملَ سيفي (كلمة الله؟)؟ هل هكذا أعتلي المنبر شاكِرًا الله على الإنتصارات التي سوف أفوز بها؟ هل هكذا أذهب إلى غرفة صفّي وأنا واثقٌ بمجيء الربّ؟ هل هكذا أدافِع عن الإصلاح الإجتماعي؟ هل تسبيحة الإنتصار منتشرة قبل أن أدخل إلى الحقل؟ هل يمكنُني أن أبدأ بإنشاد تسبيحة الحصاد وأنا في بيتي أستعِدّ للخروج لبذر البذور؟ وأنا واثقٌ من الله، واثقٌ أنّني أستطيع أن أسبّح الله حين يبدأ الصراع؟ هكذا كان أسلوب “المعلّم”. الشكر أوّلاً ثمّ المعجزة!

وهكذا اعتبر يسوع أن صلاتَه قد استُجيبّت قبل أن يوجّه كلامه للميّت. إنّ أهميّة هذا الفِعل هي أنّه يفترض شاكِرًا أنّ الصلوات لأجل القوّة والسلطان قد استُجيبَتْ… الإمتنان يفتح القنوات للحياة الكاملة للمجيء الإلهي. ليس هناك أي مزاج متفتّح ومُتلَقٍّ كالشكر؛ فهو يملأ الروح بملئ الله؛ والروح الكامن في الداخِل يفعل المعجزات، حتّى إقامة الأموات.

لقد أعطيتُ ثلاثة أمثلةٍ على عادة الشكر عند “المعلّم”. وهي حكمتنا العظيمة أن نتبّع نظامَه، كلّ الأشياء موعودة للقلب الشاكِر. إنّ تقديم الشكر هو خدمة ذات بصيرة يقِظَة؛ “ساهرين فيها بالشكر”. إنّ تقديم الشكر هو حافزٌ للروح المُنْهَكَة والمُتْعَبَة: “لا تسكروا بالخمر … بل كونوا شاكرين”. إنّ تقديم الشّكر هو شافٍ للروح المُتَجَدّدَة. عشرة برص تطهّروا، واحدٌ فقط شُفِيَ و”رجع يُمَجّدُ الله”.  وأخيرًا، الشكر يُمجّد الله. إنّ نور تسبيحنا المشرِق الذي نقدّمُه هو خيرُ شاهدٍ على صلاح إلهِنا وسلطانِه. آمين

1+

2 thoughts on “يسوع الشاكِر – جون هنري جويت

  • 0
    0

    رائع …
    حقآ إلهنا يستحق أن نسبحه و نرفع الشكر ﻻسمه المقدس لحظيييآ …
    ﻷن حضوره في حياتنا هو الذي يحفز طاقاتنا و يفعلها كيما نكون من خﻻلها قادرين على اﻻستمرار في عالم ساقط مليء بالشر و الضيقات و المتاعب …
    و إن لم نتعلم شكره على ما نظن أنه اعتيادي ؛ فلن يكون بإمكاننا فعل ذلك على ما هو غير اعتيادي !!

    0
    0

اترك رداً على Joulit Khammo إلغاء الرد