ورقة من أمَل

كان هناك رجل وامرأة أحبّا بعضهما حبّا كبيراً، هما لم يدركا في أي وقت بدأت مشاعر الحب هذه، ذلك لأنهما عاشا معاً منذ الطفولة في ميتم واحد. لم يكن لأي شخص منهما عائلة، فكانوا من أعز الأصدقاء، وظلّت العلاقة قوية بعد الخروج من الميتم للبدء بحياة جديدة. بعد عشر سنوات، وبعد الاستقرار في العمل، قرّر الرجل والامرأة الزواج بعد اكتشاف عمق الحب الذي يجمعهما. ما هي إلا سنتان حتى ولدت الأم بناتها التوأم  الجميلتان، ياسمين وليلى. أسس الزوجان عائلة كلها محبة وفرح، فالحب الذي جمع الأهل، انتقل للطفلتان، اللواتي كنّ الأصدقاء والأخوات في وقت واحد.
مرّت الأيام، كبرت الطفلتان ودخلتا المدرسة في سن الثالثة. اعتاد الأهل أن يوصلوا يومياً بناتهما للمدرسة صباحاً، ويرجعوهما للبيت عند الثانية والنصف. في الخامس من أيّار بعد سنتين من المدرسة، كان اليوم الأسود، صعد الأهل في السيارة ليذهبوا ويجلبوا بناتهما للبيت. لكن ما هي الا ربع ساعة حتى حدث الحادث الكبير، فتوفي الأهل في حادث سير مروع. نزل الخبر كالساعقة على الابنتان اللواتي لا يمتلك أي قريب أو معين. في النتيجة، وبفضل العلاقة الحسنة للأهل مع موظفي الميتم، أخذوا البنات للميتم حيث عاشا في غرفة واحدة.
بعد سبع سنوات، عندما كانت ياسمين وليلى بعمر الثانية العاشر، أدركت ليلى بأنها مصابة بمرض يصعب الشفاء منه. فحزنت حزناً عميقاً، على نفسها، وعلى اختها التي ستصبح وحيدة بعد موتها وأهلها. لكن ياسمين لم تفقد الأمل بشفاء اختها، فكانت تشجعها دائماً. لكن الأيام جعلت ليلى تتراجع صحيّاً، حتى أصبحت غير قادرة على مغادرة الفراش. فاعتنت ياسمين باختها اعتناء كبيراً، وفي يومٍ من شهر أيلول، قالت ليلى لياسمين:
  • ياسمين، أأنت نائمة يا أختي؟
  • كلا يا ليلى، أخبريني هل تريدين شيئاً؟
  • نعم، هل تستطيعين أن تنظري من النافذة لتخبريني كم ورقة باقية في شجرة التين؟
  • حسناً لكن لماذا؟
  • لأنني أشعر بأنه بسقوط آخر ورقة للشجرة، ستكون اللحظة الأخيرة لي.
  • لا تيأسي يا أختي رجاء، ومع ذلك فالشجرة مليئة بالأوراق الآن.
  • شكراً يا ياسمين…
  • ليلى! سوف نستمتع معاً بحياتنا حتى اللحظة الأخيرة، لو كانت قريبة أم بعيدة…
  • طبعاً يا أختي
فأخذت ياسمين تهتم باختها وتسليها لتخرق جو الخوف والحزن. لكن ليلى في كل يوم كانت تسأل اختها عن أوراق الشجرة. وفي يوم من الأيام، علّقت ياسمين مرآة في الشباك، لكي تستطيع ليلى أن ترى الشجرة في كل وقت تريد. كان الوقت بالنسبة للأخت المريضة قاسياً جداً، فالخريف قد اقترب والموت معه. بعد اسبوع، ومع نهاية شهر تشرين الأول، لاحظت ليلى بأن الأوراق بدأت بالتساقط،  ففي كل يوم تقلّ أوراق شجرة التين. كانت ياسمين تحاول جاهدة إسعاد اختها التي لم يفارق عيناها الحزن. أخيراً، سقطت كل الأوراق ما عدا واحدة، فكانت بالنسبة لليلى كالانذار الأخير لتوديع الحياة ومعها اختها الحبيبة ياسمين. لكن مرت الأيام ولم تسقط الورقة، حتى جاء فصل الشتاء بأمطاره وعواصفه، ولم تسقط الورقة أيضاً. شعرت ليلى بفرح كبير، فاعتبرت أنّ الذي حدث هو معجزة إلهية، وهو كرسالة واضحة من الله أنه لن يصيبها مكروه.
بفضل جرعة الأمل الكبيرة التي أخذتها الفتاة من الاختبار هذا، أصبحت أكثر سعادة. ومع الوقت، أطل الربيع وابتدأت شجرة التين تنبت من جديد أوراق جديدة. جاء الطبيب مبشراً الفتاتان بأن ليلى تتحسن، فهي تتغلب على المرض بفعل حبها للحياة. ما هي الا أشهر، وعادت ليلى تمشي من جديد بصحة جيدة، فتركت سريرها وركضت. خرجت من غرفتها واختها ياسمين تركض وراءها، ظلّت تركض حتى وصلت لشجرة التين، نظرت للورقة التي صمدت وأعطتها الأمل الشافي، وقالت لها:
  • يا ورقة التين يا رفيقتي، مع أنك صغيرة ومتعلقة بجذع في أسفل الشجرة، الا أنك أنقذتني من الموت بتحديكي السقوط، فشكراً لك!
مدّت ليلى يدها لتلمس الورقة وعيناها مليئتان بدموع الفرح، واذ بها تتجمد في مكانها من الصدمة، قائلة:
  • يا الهي! انها ورقة بلاستيكية، وملصقة باحكام لكي لا تقع… من فعل هذا؟
  • أنا فعلت (قالت ياسمين من وراءها)، لأنني لا اريد أن أخسرك، فأصريت على ابقاء ورقة في الشجرة.
  • ليلى، اختي الحبيبة، شكرا لك، فبهذه الورقة أعطيتني الأمل الذي بدوره ساعدني للشفاء!
فغمرت الاختان بعضهما البعض والدموع تتساقط، وفوقهما الورقة، ورقة من أمَل…
يا أحباء، نحن كلنّا مرضى، كلنا نتألم، كلنا نخسر عزيز وقريب، كلنا نصل لمكان صعب لا نعرف كيف نخرج منه، كلنا نتعرض لتحديات قاسية في هذه الحياة. لكن الدعوة هي أن ننظر لهذا الطفل، كما نظرت ليلى لورقة التين، ننظر وندرك بأنه لطالما يوجد طفل المذود هذا، لطالما الرب معنا، فنحن بخير. انه الأمل في أصعب الأوقات، انه الفرح في أحزن الساعات، ففي الوقت الذي نشعر بالضعف، دعونا نتذكر بأنه “عمانوئيل”، الله معنا…
 وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: «يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ». وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا. متى 1: 20-23
0

اترك تعليقاً