هل افتقدك الله في فصل المجيء؟ (القسّيسة نجلا قصّاب)

النصوص الكتابية:

قراءة أولى: مزمور 145
قراءة ثانية: لوقا 1: 5-25
قراءة ثالثة: لوقا 1: 57-80

يُحكى أنّه في أحد الأيّام بينما كان الرّسام الشهير بابلو بيكاسو Pablo Picasso خارج منزله، تعرَّض بيته للسرقة، فعاد بيكاسو إلى بيته ليجد أن السّارق قد أخذ التِلفاز والمجوهرات وغيرها من الأشياء الثمينة؛ فما كان من بيكاسو إلّا أنْ صرخ بصوتٍ عالٍ “إنّي أشعر بالإهانة والحزن”. فاقترب إليه صديقه وقال له “كفاك حزناً” فيمكنك أن تشتري تلفازاً جديداً ومجوهرات وتستبدل ما سُرق منك، فقال له بيكاسو “ما يؤلمني إنّ السارق لم يأخذ أيّ من لوحاتي”، فهو لم يعتبرها ثمينة ولم يعرف قيمتها.
في تحضيرات عيد الميلاد، مرّاتٍ كثيرة ننسى لوحةً مهمّةً لا نعرف قيمتها “لوحة زكريّا وأليصابات”. نحن الآن في الأحد الرابع من فصل المجيء، إنّه فصلٌ نتحضّر فيه لولادة الطفل يسوع، ولا نقدر أن نتحضّر لاستقبال الطفل دون الرّجوع إلى قصّة زكريّا وأليصابات اللّذان ساهما في التحضير لولادة طفل المذود آنذاك. كان زكريّا كاهنا من فرقة “أبيّا” من نسل هرون نسل الكهنوت، وقد تكاثر عدد الكهنة وازداد عدد الخدمات الاعتياديّة، فتقسّموا إلى أربعة وعشرين فرقةً تجتمع كلّها معاً للخدمة في الأعياد. ثمّ تَخْدم كلّ فرقةٍ أسبوعاً مرّتيْن في السنة، فكان الكاهن يتشوّق لهذا الأسبوع لأنّه يُعتبر المرآة الحقيقيّة لحياة الكاهن، إذ كان الكاهن يقوم بالذبائح ويقدم البخّور على المذبح، وأسعدُ لحظاته هي وقت تقديم البخّور أمام الرّب، لذلك نرى فرح زكريّا لمّا أصابته القُرعة أن يدخل إلى هيكل الرب ويبخّر (لوقا 1: 9) فظهر له ملاك الرب ووقع عليه الخوف. 13 فَقَالَ لَهُ الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا. 14 وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ، 15 لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. 16 وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمْ. 17 وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ، وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا». (لوقا 1: 13-17)
لقد ذُعِر زكرّيا بسبب مقابلة الملاك وطلب منه علامةً فقال: «كَيْفَ أَعْلَمُ هذَا، لأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟» (لوقا 1: 18). وأعطاه الملاك علامةً “وَهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا وَلاَ تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّمَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ هذَا، لأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلاَمِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ”. (لوقا: 1: 20)
وهكذا حصل فقد تأخّر زكريّا عن الخروج، إذ كان الكاهن بعد الدخول إلى قُدس الأقداس يأتي إلى الحاجز الذي بين الساحتين بعد احتراق البخّور ويتوجه نحو الشعب ليباركهم.
لكن زكريّا تأخّر وأبطأ في مباركة الشّعب، ليس هذا فحسب بل إنّه خرج صامِتاً. فتأكّد للناس أنّ زكريّا رأى رؤيةً ما. وهكذا حصل إذ عاد إلى بيته وحبلت أليصابات وأخفت نفسها قائلة: “«هكَذَا قَدْ فَعَلَ بِيَ الرَّبُّ فِي الأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا نَظَرَ إِلَيَّ، لِيَنْزِعَ عَارِي بَيْنَ النَّاسِ». (لوقا 1: 25)
في نظرةٍ سريعةٍ على قصّة أليصابات وزكريّا، نجد أنَّ اختبار المشاركة في خطّة الله الذي عاشاه كان اختباراً صعباً. فبالرغم من فرح هاذَيْن المسنَيْن بأنّهما سيُرزقا ولداً وسيكون ابناً وأن الله رضِي عنهما، فالإنجاب كان له بعده الروحيّ في ذلك الوقت، فمفهوم الإنجاب عند جماعة الإيمان يختلف عما هو اليوم. إذ كانت جماعة الإيمان تؤمن أنّه من الأشخاص الذين يُحرمون من الله: اليهودي الذي لا زوجة له، والمتزوّج الذي لا ولد له.
للوهلة الأولى قِلّةٌ منّا يريد أن يَقف موقف زكريّا وأليصابات، فقد صلّيا في كلّ وقت لأن يُرزقا طفلاً، وكانا خادمَيْن أمينَيْن وأطاعا الشريعة. إلّا أنّ الله أجاب لطِلبتهما في وقتٍ مُتأخّرٍ، وفي وقتٍ كان الُمتوقّع أن يرتاحا، وفي وقت شعرا بالعجْز وبأنّ دورهما قد انتهى، ها هو الله يطلب منهما مهمّةً جديدةً بأن يكونا أبوَيْن ليوحنّا الطفل القادم، أي شريكَيْن في مهمّةٍ عظيمةٍ وهي مهمّة التّحضير لولادة الطّفل يسوع.
أوّلاً، إنّ حياة زكريّا وأليصابات تُسلّط الضّوء على طريقة عمل الله، إذ أنّ الله اختار الوقت المناسب في عينيه. في الكثير من المرّات نُريد أنْ نخدم بطريقتنا وتِبعاً لوقتنا ووضعنا وظروفنا، لكنّ قصة زكريّا تؤكد أن عمل الله هو تبعاً لوقت الله لا لأوقاتنا نحن. فقد نصلي لأمرٍ ما في حياتنا، لشفاءٍ ما، لانجابٍ ما، لخدمةٍ ما، لأمورٍ عائليّةٍ ما، لكنّ قصة زكريّا وأليصابات تقول لنا أنّه علينا أنْ نُركّز على وقت الله لا على وقتنا نحن.
ثانيا، زكريّا وأليصابات لم يستسلما بالرُّغم من الظروف الصعبة التي عاشاها. فقد تعرّضا لصعوباتٍ جمّةٍ أوّلها كان تهميش العالم لهما، فإنَّ عدم الإنجاب في ذلك الزمان كان يعني أنّ الشّخص خارج دائرة عمل الله ونعمته. لذا فلا شكّ بأنّ المجتمع قد همشهما، وخاصّةً أنّ زكريّا هو كاهنٌ، لذا فهو خادم الله، فكيف يكون بلا مولود؟
رُغمَ ذلك فقد ظلّا خادمَين أمينَيْن، أحبّا الله بعيداً عل كلّ التحدّيات التي عاشاها. في التحضيرات لفصل المجيء يعلِّمنا زكريّا وأليصابات أهمّية التركيز على الله وليس على ظروفنا. في مرّاتٍ كثيرةٍ تُسيطر ظروفنا الصّعبة علينا، فَيَصعب رؤية الله. هذا هو الرجاء الذي عاشه زكريّا، الرجاء المسيحي هو في القدرة على رؤية النور، بالرغم من الظروف الصعبة والمظلمة. ونحن نقترب من ولادة الطفل، يسأل الناس كيف لنا أنْ نفرح بولادة الطفل وسط كل الآلام من حولنا، وسط الأطفال المشرّدة والمتألّمة والمُهجّرة والمحرومة من حولنا، كيف لنا أنْ نفرح. أيّها الأحبّاء إنّنا نفرح لأنّنا نرى نوراً وسط كلّ الآلام. لنا رجاءٌ بواسطة الطّفل يسوع الذي ولد، هو نفسه في ظروفٍ صعبةٍ، وكاد أن يُقتل.
يعلمنا زكريّا في تحضيراته حياة الرجاء في فصل المجيء، ينظر إلى كلّ واحدٍ فينا ليقول لنا أنْ نتمسّك بالرجاء وسط كل الظروف والآلام.
قصّة زكريّا وأليصابات تُعلّمنا أيضاً ألّا يستهن أحد بشيخوختك. لقد كان زكريّا وأليصابات في سنينهم المُتقدّمة من العمر، والله أعطاهما فُرصةً جديدةً للخِدمة والشّهادة والاشتراك في عمل الله. في شيخوختنا قد تتراجع صِحّتنا أو حتى ثِقتنا بأنفسنا، وبالتالي نشكّ أن الله سيستخدمنا للخدمة. وقد نشعر بالإحباط لأنّ صحّتنا تتراجع، وحركتنا تتباطأ، وأوجاعنا تتزايد. قصّة زكريّا وأليصابات ترمز كيف أنّ الله في تجسده استخدم كل الأعمار والطاقات، اسم زكريّا يعني الله تذكرنا – افتقدنا، والمجيء هو فصلٌ افتقدنا الله به، وأليصابات تعني الله هو عهدي ويوحنا يعني الله تحنن.
قد نشعر أيّها الأحبّاء بإحباطٍ ما، بشيخوخةٍ ما وبعجزٍ ما. قد ننظر إلى حياتنا مشكّكين أنّ الله قادر أنْ يستخدمنا، وهذا غير مرتبطٍ بالعمر وإنّما بالظروف، وها هي قصّة ولادة يوحنا، ليُعدّ الطريق لطفل المذود، قصّة تؤكد لنا افتقاد الله، وعد الله وتحنن الله علينا.
لا شكّ أنّ صعوبة مهمة زكريّا وأليصابات جاءت في وقتٍ كانا يشعران أن دورهما قارب على الانتهاء، وأنه لا يمكن لله أن يستخدم عجوزين، ظنا أن دورهما قد انتهى “خلص دورنا” كما نقول بالعاميّة، لهذا سأل زكريّا «كَيْفَ أَعْلَمُ هذَا، لأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟» (لوقا 1: 18). ما ركّز عليه زكريّا هو إنسانيّته المحدودة، أي محدوديّة جسده، لكن الله وضع أمامه فرصةً جديدةً للخدمة، مفاجأة جديدة، نهضة جديدة، ثقة جديدة أنّ الله قادر أن يستخدمه.
أيّها الأحباء عدد كبير بيننا يشعر بهذا الإحباط والضعف وحتى بين الشباب أحيانا، هناك مناخ إحباطٍ يحيط بنا سواء في العمل أو الإنتاجية أو حلّ النزاعات أو الربيع العربي الذي نسمع عنه ولا نرى شمسه. اليوم هو الأسبوع الرابع وأيّام قليلة تفصلنا عن الميلاد والعالم مشتت، كيف يمكن لنا أن نحتفل، فإنّنا نشعر بالعجز والشيخوخة. كنائسنا تشعر أنّها شاخت كما أوطاننا، ونسأل كيف يكون لنا طفلٌ نفرح به وسط شيخوختنا.
هل هناك ما يجعلك تشعر بالشيخوخة والإحباط؟ زكريّا يؤكّد لنا أنّه لا عمر ولا محدودية تقدر أن توقف عمل الله في حياتنا. الله لم ينهِ عمله معنا ومن خلالنا. فالفرصة موجودةٌ دائماً، يبقى أن ننتظر الوقت الذي يعيّنه الله لمُفاجأتنا.
والرسالة الأخيرة التي تهزنا في قصة زكريّا وأليصابات هي صمت زكريّا، وكان الله قد وبخه لأنّه لم يصدّق “وَهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا وَلاَ تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّمَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ هذَا، لأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلاَمِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ”. (لوقا: 1: 20)
في مقارنةٍ سريعة بين اختبار زكريّا وتشكيكه في مقدرة الله، وبين مريم العذراء التي تساءلت “كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلا؟” نجد أنّ الله عاقب زكريّا وجعله صامتاً لكن لم يفعل الشيء نفسه مع مريم. وأفضل ما قرأت حول هذه المقارنة أنّ زكريّا كان خادماً مكرساً ولم يُصدّق، ولهذا كان تعامل الله معه بشكل أشدّ. لربما أيها الأحبّاء نحن في دائرة الخدمة، نعتاد على الله فلا نصدق أنّه قادر على صنع معجزة في حياتنا.
فصل المجيء أيها الأحبّاء هو فصل المعجزات، قال أحدهم أنه فصلٌ لا نتذكّر فيه ما حصل في الماضي، بل نعيش الماضي بتحضيرات ولادة الطّفل، واليوم نعيش الحدث مع زكريّا وأليصابات.
هل فاجأك الله في الوقت الذي اختاره؟
هل استسلمت أمام الصعوبات؟
هل جدّد الله شيخوختك؟
هل صدّقت انه قادر استخدامك الآن لمجد اسمه؟

1+

اترك تعليقاً