مقدّمة لسفر هوشع (القس د. هادي غنطوس)

سفر هوشع هو السفر الأول بين أسفار الأنبياء الصغار، أو الأول في سفر الاثني عشر. وبحسب ما يعلنه السفر ذاته في بدايته (1: 1)، من المُفترض أنَّه يعود إلى النّصف الثاني من القرن 8 ق.م؛ الأمر الذي يجعله، بحسب الكتاب المقدس، مع سفر عاموس، السفرَيْن الأقدمَيْن بين أسفار الأنبياء الصغار. أيضاً بحسب السفر نفسه، فإن هوشع هو النبي الوحيد بين جميع الأنبياء الكبار والصغار، الذي من المُفترض أنه كان من سكان الممكلة الشمالية، ومارس دوره النبوي فيها.

نظرة أدبية

إذا ما استثنينا سفر أيوب، فإن سفر هوشع قد يكون السفر الذي يتضمَّن أكثر المقاطع والتَّعابير صعوبة وغموضاً في كل العهد القديم. وكثيراً ما يُنظر لنصّ السفر، تقليدياً، على أنه أحد أقلّ نصوص العهد القديم من حيث توافرنُسخ موثوقة عنه في المخطوطات القديمة. فلم يُعثَر بين مخطوطات البحر الميّت إلَّا على مقطع صغير منه، يضمّ أجزاء من (هوشع 1: 7—2: 5). ويعتبر الباحثون اليوم أن سفر هوشع هو السفر الذي يتضمَّن أكبر تأثير للهجة العبرانية الشمالية (الخاصة بالممكلة الشمالية) بين جميع أسفار الكتاب المقدس.

يتألَّف سفر هوشع من ثلاثة أجزاء أو أقسام رئيسية. القسم الأول (هوشع 1-3) ويتضمَّن معلومات حول سيرة هوشع“. القسم الثاني (4-11) يأخذ نمط مُرافعة محامٍ أو مدعٍ عام أمام قاضٍ ما، وينتهي بطلب استرحام. أمّا القسم الثالث (12-14) فهو نسخة مشابهة لكنها أقصر للقسم الثاني، من حيث النمط الأدبي، الذي، كما قلنا، يأخذ شكل مرافعة قانونية، لكنه في هذه الحالة يتعلَّق باسرائيل ويهوذا معاً وليس فقط إسرائيل (الممكلة الشمالية) وحدها، كما هو الحال في (هوشع 4-11). وبالتالي، فالبنية الهيكلية لسفر هوشع هي على الشكل التالي:

I. القسم الأول (هو 1—3)

A. عنوان السفر وتاريخ كتابته” (1: 1)

B. هوشع وزوجته وأولاده (1: 2-9)

C. وعد بإعادة البناء (1: 10-2: 1)

D. طلاق يهوه (الرب) لزوجته (2: 2-13)

E. وعد بإعادة البناء (2: 14-23)

F. خيانة أمة إسرائيل للرب وعودتها إليه (3)

II. القسم الثاني (هو 4-11)

A. دعوى الرب ضدَّ إسرائيل (4: 1-5: 7)

B. لعنة، فعودة ووعد بإعدة البناء (5: 8-6: 11)

C. أفرايم مُختلِط بشعوب أخرى (7)

D. إسرائيل تحصد نتيجة خطيئتها (8)

E. أيام الاحتفال تتحوَّل إلى أيام قصاص (9-10)

F. محبة الله الدائمة لشعبه (11)

III. القسم الثالث (هو 12-14)

A. كذب إسرائيل وخيانتها (12-13)

B. دعوة للعودة ووعد للبقية الباقية (14)

من الواضح، بالنسبة للمختصين اليوم، أنَّ (هو 1: 1) إضافة لاحقة ومُتأخرة جداً للسفر، هي وكل القسم الأول (1-3) من السفر، في حين أن القسم الثاني (4-11) هو الذي يمثل الجزء الرئيس والأساس، بل والأقدم في سفر هوشع، سواء من حيث التأليف أو من حيث التقليد. ويتفق معظم الباحثين حالياً على أن بعض أجزاء هذا القسم إنَّما تعود فعلاً إلى النصف الثاني من القرن 8 ق.م، وبالتحديد زمن حُكم الملك الأخير على عرش المملكة الشمالية، والذي لم يكن اسمه سوى هوشع (2 ملوك 17: 1-6). وبالتالي، فالكثير من الباحثين المختصين يعتبرون حالياً أن اسم السفر لا يشير إلى كونه، أو بالأحرى كون الجزء الأقدم والأساس فيه، مكتوباً من قِبَل هوشع أو بيد هوشع، ولكنه يدور حول هوشع، الملك الأخير على عرش السامرة في عشرينيات القرن 8 ق.م. وبالتالي، فإن هذه الأجزاء التي تعود إلى تلك الفترة، والتي كانت تدور حول الملك هوشع، قد تمَّ تجميعها وتطويرها معاً وإضافة أجزاء عديدة عليها خلال القرن 7 ق.م لتشكيل القسم الثاني (4-11) والأساس للسفر، الذي أصبح يُدعى فيما بعد سفر هوشع. ويَعتبر الباحثون أن القسم الثالث (12-14) يجب أن يعود إلى القرن السادس ق.م، في الوقت الذي لا يمكن أن يعود القسم الأول (1-3) إلى فترة تسبق النصف الثاني من القرن 5 ق.م، ومرحلة العودة من السبي وإعادة بناء أورشليم والهيكل، وذلك بسبب الموقف السلبي جداً الذي يتضمّنه هذا القسم من السفر من السامرة والسامريين.

نظرة تاريخية

كما ذكرنا أعلاه، يتّفق الباحثون اليوم على أن (هو 1: 1)، والذي يُشير إلى أنّ نبوءات هوشع إنّما تعود إلى فترة حكم ملوك يهوذا عزيا، يوثام، آحاز وحزقيا، وفترة حكم ملك إسرائيل يربعام الثاني، هي إضافة لاحقة للسفر، كون يربعام الثاني هو الملك الشمالي الوحيد الذي يذكره السفر، الذي من المُفترض أن النبي الذي يقف وراءه قد عاش في المملكة الشمالية؛ الأمر الذي يشير إلى معرفة كاتب هذه الآية بملوك يهوذا أكثر من معرفته بملوك إسرائيل. كما أن قراءة السفر تشير، كما قرأنا أعلاه، إلى كونه قد كتب خلال فترة طويلة من الزمن تمتدّ لعدّة قرون، وإن كانت كتابته من الممكن أن تكون قد بدأت في النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد.

يربعام الثاني، الذي يُعتبر أحد أهم ملوك المملكة الشمالية من الناحية السياسية والاقتصادية، قد جلس على عرش السامرة خلال الفترة 786-746 ق.م، وتميَّزت فترة حُكمه برخاء واستقرار نسبيَّيْن على مُختلف النواحي الاقتصادية والسياسية والعمرانية؛ الأمر الذي تعكسه بعض المقاطع في السفر (هوشع 4: 1-5: 7؛ 10: 13-14؛ 8: 14… الخ).

لكن، في سنة 743 ق.م شنَّ الملك الآشوري تغلاث فلاصرالثالث حملة شهيرة باتّجاء سورية وفلسطين، قام خلالها ملك إسرائيل آنذاك، منحيم (745-738 ق.م) بالخضوع للملك الآشوري ودفع جزية كبيرة له للبقاء على عرش السامرة (2 مل 15: 17-20). ويعتبر الباحثون أن (هو 7: 11 و8: 9) إنما تشير إلى تلك الفترة. لكن بعد موت منحيم، قام فقح بن رمليا باغتيال ابن منحيم ووريثه على العرش، فقحيا واستولى على عرش السامرة (2 مل 15: 23-27)، قبل أن ينضم إلى الآراميين والفلسطيين في تحالف مُضاد للآشوريين؛ الأمر الذي جلب على إسرائيل غضب تغلاث فلاصر الثالث، الذي قاد حملة احتلّ فيها معظم أراضي المللكة الشمالية، التي لم يتبقَ سوى السامرة وبعض التلال في أفرايم تحت سلطتها. وانتهى الأمر باغتيال فقح على يد هوشع بين أيلة، الذي كان قام سريعاً بدفع الجزية للملك الآشوري وطلب السلام معه. لكن ذلك الوضع لم يستمر طويلاً، لأن الملك هوشع حاول أن يتخلَّص من نير آشور من خلال التعاون مع عدوّها الأكبر، مصر (هو 7: 11؛ 9: 3؛ 11: 5؛ 12: 1؛ 2 مل 17: 4)؛ الأمر الذي جلب على اسرائيل غضب الملك الآشوري شلمناصر الرابع، الذي يعتبر الباحثون أنه مَن يشير إليه (هو 10: 14) باسم شلمان، ما أدَّى في النهاية إلى سقوط السامرة وانتهاء وجود المملكة الشمالية على يد ابن وخليفة شلمناصر الرابع، سارغون الثاني، الذي احتل السامرة في سنة 720 ق.م.

وعليه فالباحثون يعتبرون اليوم أن أساس السفر يدور حول حكم الملك هوشع، وهو ما يقف خلف اسم السفر الذي يشير إلى كونه يدور حول الملك الأخير على عرش السامرة، هوشع بن أيلة، وليس إلى كونه مكتوباً بيد نبي يدعى هوشع. بالطبع هذا الأساس قد خضع لرحلة طويلة من التحرير والاضافات قبل أن يصل إلى سفر هوشع بشكله النهائي الذي نعرفه به اليوم.

نظرة لاهوتية

لا شك بأن الخط اللاهوتي السائد في سفر هوشع هو خط يتَّفق مع اللاهوت التقليدي التثنوي المشروط؛ لاهوت يربط العهد مع الله بالتزام شعب الله بشروط العهد، في تبنى لنموذج العهود والمواثيق التي كانت سائدة في الشرق الأدنى القديم بين الممالك الكبيرة وتلك الصغيرة، حيث تأخذ إسرائيل هنا دور الملك الصغير الخاضع، ويهوه دور الملك المُسيطر. وكما كان ذلك النوع من المواثيق يسقط عند عدم التزام الملك الخاضع بشروط الميثاق، ويجب عليه عقاب الملك المسيطر، فإن هوشع يعلن بأن خطيئة إسرائيل وعدم أمانتها لله إنما تقودها لتحمُّل العقاب الإلهي (4: 1-3؛ 5: 7؛ 6: 7؛ 7: 1، 13-14؛ 8: 1-2؛ 9: 15؛ 10: 1-2، 8؛ 12: 11؛ 13: 16). سفر هوشع يصف عدم الأمانة تلك بصورة الخيانة والزّنى (1: 2؛ 2: 2: 13؛ 4: 10-19؛ 5: 3-4؛ 6: 10؛ 7: 4؛ 9: 1). من المهمّ أن نلفت الانتباه هنا إلى أن هوشع يعتبر حدث الخروج على أنه الحدث الذي قطع فيه الله عهده مع شعبه (2: 15؛ 9: 10؛ 11: 1؛ 12: 9، 13؛ 13: 4). لكن من جهة أخرى، رسالة هوشع ليست مجرّد رسالة دينونة. لكنه يعلن أن محبة الله لأفرايم الطفل كانت عظيمة (11: 8-9)، ولا يمكن لله أن يتحمّل رؤية نهاية من يحبّه. وبالتالي، فرحمة الله لابُد وأن تسود في النهاية، ولابد أن يشفق الله على شعبه (1: 6؛ 2: 23؛ 14: 3). أمام ذلك الإيمان واستجابةً له، يدعو هوشع الشعب كيما يرجع إلى الرب (6: 1؛ 12: 6؛ 14: 1-2). وبالتالي، فبالنسبة لهوشع عقاب الله لشعبه هو شيء مؤقَّت ويهدف لقيادة إسرائيل لتدرك غباوتها وتعود إلى إلهها بالتوبة، فتُشفى جروحها وتحيا من جديد (6: 1-2)، وتستعيد مجدها (6: 11)، ويرجع المسبيون (11: 10-11)، ويسكنون في ظل الرب (14: 7)، الذي يُصلِح إعوجاج شعبه ويحبهم محبة مجانية من جديد (14: 3).

خاتمة: رسالة هوشع لنا اليوم

ممَّا لا شك فيه أن الرسالة الأهم التي يحملها سفر هوشع لنا اليوم، كما لشعب الله في كل زمان ومكان، هي رسالة دعوة لادراك خطيتنا وانكسارنا وابتعادنا عن إلهنا من جهة، ومن جهة أخرى، لإدراك محبة الله العظيمة التي هي وحدها القادرة على إصلاح انكسارنا، وأن تصنع منَّا شعباً لله ورسلاً أمناء لملكوته. وبالتالي، فهوشع يتحدَّانا كيما نعود إلى الله ونضع أنفسنا بين يديه ونعيش كما يليق بمن يحملون رسالة ملكوته بأمانة لكل من وما حولنا.

0

اترك تعليقاً