مثل الابنين الضالين (القس مفيد قره جيلي)

من أجمل الأمثال التي يمكن أن نتعامل من خلالها مع فكر يسوع؛ بل من أجمل الأمثال في العالم القديم والذي يعتبر نافذة تطل بنا على حضارة وفكر العالم القديم الاجتماعي والروحي في آن، هو المثل المعروف بمثل الابن الضال… البعض يسمّي هذا المثل مثل الابن المبذر… أو الابن الشاطر…، أما أنا فأدعوكم للتأمل معي في هذا المثل تحت عنوان مثل الابنين الضالّين!

ولمزيد من المعلومات نبيّن أن هذا المثل جاء في سياق دفاع يسوع عن موقفه المنفتح من العشارين والخطاة في الأصحاح الخامس عشر من لوقا، حيث نجد مثلَ الخروف الضال ومثلَ الدرهم المفقود يسبقان هذا المثل مباشرة في الأصحاح. يقع المثل ضمن سلسلة من النقاشات التي من شأنها أن تبيِّن أن الملكوت الذي يؤسِّسه يسوع متاحٌ أمام كل الناس بمختلف طبقاتهم وماضيهم؛ كما تُظهر دورَ الله نفسه في جلب الناس إلى الملكوت (النعمة)، في مقابل تطبيق اليهود للشريعة واتكالهم عليها. فدعونا ننظر إلى هذا المثل من خلال شخصياته الأساسية الثلاث، وهم: الابن الأصغر… الأب… الابن الأكبر. وسنعتمد كثيراً على فهم الناس في أيام يسوع للأسرة والعلاقة بين أبناء الأسرة، لندخل إلى عمق هذا المثل.

 

الابن الأصغر…

الابن الأصغر هو الشخصية الوحيدة التي تظهر في كل مشاهد المثل… فهو يظهر قبل الرحيل وبعده وبعد العودة؛ وحتى في الحوار الأخير بين الأب والابن الأكبر يظهر الابن الأصغر كمحور لهذا الحوار. وهنا نسأل: ماذا يعني قرار الابن الأصغر في الحصول على “القسم الذي يصيبه”؟ في الحقيقة إننا نتعامل هنا مع أقسى أنواع الخبرات التي يتعرَّض لها أب في أسرة شرقية، بل أي أب في أي عصر ومَصْر. هل تريد أن ترثني في حياتي؟ هذا هو السؤال الذي يتبادر إلى ذهن أي أب … إن مستمعِيّ يسوع كانوا على دراية كاملة بهذه الحقيقة، ولن نتحدَّث هنا كثيراً عن الأب، لأننا سنتناوله فيما بعد؛ ولكن بتسليط الضوء على الابن الأصغر نجد أنه كان على دراية كاملة بطبيعة طلبه… إنه يقول لوالده: لا أريدك في حياتي… ليتك كنتَ ميتاً… إنني أستعجل ميتتَك لكي أرثك… أنت لا تعني لي شيئاً… حضنك الدافئ ليس مهماً… أعطني ما يصيبني، ولست أريد منك شيئاً آخر…

يأخذ الابن الأصغر قسمته، يمضي… وهناك يبذر أمواله… لا يعرف كيف يستخدم أمواله… قد يحاول أن يعوِّض ما خسره من دفء الأسرة مع “الزواني”. يحدث أن ينفق كل ماله، ويحدث أن الأوضاع الاقتصادية تتردى في ذلك المكان. يصل إلى مرحلة الاحتياج… يصبح راعياً للخنازير، يشتهي طعامهم ولا يعطيه أحد… وهنا علينا أن نفكر مرة أخرى بحسب مستمعي يسوع اليهود… التعامل مع الخنازير هو أمر نجس بحسب الشريعة… إذاً الانحطاط الذي يتعرَّض له الابن هنا، ليس فقط الانحطاط الاجتماعي المادي، بل أيضاً الروحي…

          وهنا، وأخيراً، يتذكر الابن الأصغر النعمة التي كان يتمتع بها في حضن أبيه، فيقيم معادلة عقلية؛ ربما الابن ندم، لكن ندامته كانت قائمة على معادلة عقلية بامتياز “فرجع إلى نفسه،” وإن هذه المعادلة العقلية جعلته يصل إلى أنه لا يطمح بعد أن يعود ابناً، بل أجيراً : “أقوم و أذهب إلى أبي وأقول له: يا أبي أخطأت إلى السماء وقدامك، ولست مستحقاً  بعد أن أدعى لك ابناً، اجعلني كأحد أجراك”.

          فعلاً، يعود الابن، ويحظى باستقبال عظيم…

الأب…

          منذ البداية، ولا أعتقد اعتباطياً، يضعنا يسوع أمام أب استثنائي، وهذا يبدو في…

  • سماحه لابنه بالذهاب بهذه البساطة. الأب الشرقي… يأتي إليه ابنه ويطلب منه إرثه بهذه البساطة، وكأنه يقول له، أريد أن أنهيك من حياتي، لا أريدك بعد حياً. في الحالة الطبيعية، خصوصاً في ذلك الزمن، لا يمكن للأب أن يوافق، بل كان سيطرد الابن من رعوية أبيه دون شيء؛ لكن ما نراه هنا أن هذا الأب وافق على طلب الابن مباشرة… بل قسم لابنيه حصتهما… وأعطى للابن الحرية في كل شيء… هناك رأي يبين أن الأب كان على دراية تامة بأن الابن سيفشل، لأن منظومة الحياة الاقتصادية للأرستقراطيين مرتبطة بالعلاقات والتحالفات الأسرية التي فقدها الابن الأصغر في اللحظة التي قرر أن يترك فيها أسرته. لكن مع هذا ترك الأب لابنه حرية الاختيار. إذاً هكذا نرى الحالة الاستثنائية للأب هنا.
  • كيفية استقباله. نرى الحالة الاستثنائية للأب بكيفية استقباله للابن أيضاً. ودعونا هنا ننظر إلى تفاصيل المقابلة…
    • “فتحنن وركض”. ويقال أن رجلاً شرقياً نبيلاً لا يركض لملاقاة ابنه. ربما الأم تفعل هذا بعواطفها الجياشة، لكن أن يفعل الأب هذا لمستحيل، خصوصاً إذا كان الابن مغضوباً عليه كهذا الابن الأصغر في هذا المثل.

ب- مقاطعته لابنه: “ولست مستحقاً بعد أن أدعى لك ابناً…”. اختفى استعداد الابن “اجعلني كأحد أجراك” هذه العبارة التي قالها الابن عندما رجع إلى نفسه في المرة الأولى. لكن الوالد لم يسمح له بالمتابعة، لأن النعمة التي عند الأب أعظم كثيراً من توقعات الابن.

ج _ أمَرَ العبيد بخدمته؛ وبهذا العمل يصالحه مع خدم البيت، يعلن أنه عاد إلى موقعه كابن… كسيد في هذا المنزل. ولنفس السبب أمر خدمه أن يُلبسوا ابنه الحلة الأولى والخاتم الذي يرمز السيادة.

د – ذبح العجل وليس الخروف… العجل المسمَّن هو دلالة على كبر الوليمة. فالدعوة إلى الفرح لن تكون محصورة بالمستوى العائلي أو المنزلي، بل بمستوى القرية. إن الأب يصالح الابن مع القرية، يعلنه ابناً من جديد وسط المجتمع الذي سيكون بالتأكيد قد خسر مكانته فيه بتركه لأسرته… وهكذا يعلن فرحه بأن ابنه “كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً فوُجِد”.

  • دعوته للابن الأكبر إلى قبول هذا الوضع القديم الجديد. نلاحظ كيف أن الأب ترك الاحتفال وخرج إلى ابنه الأكبر لكي يقنعه بعودة أخيه الأصغر إلى حظيرة الأسرة…

إن كل ما كان يقوم به الأب هنا يدور حول المصالحة؛ بل ربما كل المثل يدور حول المصالحة غير المتعلّقة بالأجرة والحقوق، بل بمحبة الأب لأولاده… الأب يصالح الابن مع نفسه، مع منزله، مع المجتمع … والأهم مع أخيه الأكبر… ما أحوجنا إلى تبني مبدأ المصالحة ككنيسة في هذه الأيام!!

الابن الأكبر…

           منذ البداية لم يلعب الابنُ الأكبر دورَه بالشكل الصحيح… لم يلعب دور الأخ الأكبر… إن دور الأخ الأكبر في أعراف الأسرة الشرقية لا يقف على الحياد في مثل هذه الحالة، لا يقف على الحياد في الحالة التي يريد فيها أحد إخوته مفارقة المنزل… بل دور الأخ الأكبر هو أن يقنع أخيه بعدم مفارقة المنزل… أو يدعو والده إلى التريُّث وعدم الإصغاء إلى الابن… الابن الأكبر هنا بقي صامتاً تماماً ربما لأنه مستفيد؛ فكما يخبرنا هذا المثل أن القسمة لم تكن فقط للابن الأصغر بل للابنين “فقسم لهما معيشته…”

 

أيضاً عند عودة أخيه كان دوره ضعيفاً… تعامل مع ذاته كأنه أجير “قال لأبيه: أنا أخدمك سنين هذا عددها وقط لم أتجاوز وصيتك، وجدياً لم تعطني قط لأفرح مع أصدقائي”. وهل يحتاج الابن أن يخدم أبيه ليحصل على جدي؟ أليس هذا سهماً موجَّهاً ضد الفريسيين والكتبة الذين يتباهون بتطبيق الشريعة؟ الفريسيون لا يقبلون أن يكون لهم شركاء. هذا واضح في رد والده “يا بني، أنت معي في كل حين، وكل ما لي فهو لك!”

عدم قبول الأخ الأكبر الأخوّة مرة أخرى… “و لكن لما جاء ابنك…”؛ هذا الموقف يُنسيه من هو وما وضعه. إن الرابط الأسري العضوي بينه وبين أخيه الأصغر لا يمحوه موقف أرعن… ونلاحظ أن كلمة “ابنك” فيها نبرة من عدم رضا الأخ الأكبر عن علاقة الأخوّة.

طبعاً، لا يذكر لنا المثل الموقف النهائي للابن الأكبر.. هل شارك في الاحتفال أم لم يشارك؟ ولا أعتقد أن هذا الأمر هو نتيجة سهو، بل لأن يسوع لم يشأ إلا أن يترك النهاية مفتوحة ورهينة بقبول مبدأ الأسرة… مبدأ الملكوت… “لأن أخاك هذا كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً فوجد…،”. نلاحظ هنا أن الأب لا يقول “لأن ابني هذا…” كما فعل مع الخدم في المرة الأولى، بل يقول “لأن أخاك…”، مؤكداً العلاقة الأُسَرية بين الأخ  وأخيه بغض النظر عن التصرفات والحقوق. والنهاية المفتوحة تبيِّن أن كل من يقبل هذا المبدأ للملكوت الذي يؤسِّسه يسوع… (المبدأ القائل بأن الملكوت مفتوح للكل بغض النظر عن أعمال الماضي)، هو ابنٌ للملكوت؛ وكل من يرفض هذا المبدأ… فهو خارج نطاق الأسرة… خارج نطاق الكنيسة… خارج الملكوت…

ماذا عن رسالة هذا المثل اليوم…

نحن أبناء في أسرة الكنيسة…الآب السماوي أنعم علينا بالانضمام إلى هذه الأسرة…أنعم علينا بأن نكون ورثة في الكرم… بأن نكون قادة في كنيسته… وسينعم بالتأكيد على غيرنا… البعض ترك هذه الأسرة… ضل… لكن الآب السماوي ينتظره ويُعِدُّ فرحاً عظيماً لاستقباله… فإما أن نشترك في هذا الفرح الكبير… الفرح بالخاطئ الذي يعود، لنكون فعلاً أبناء حقيقيين للملكوت، وإما أن نكون مثل الابن الأكبر الذي كان ضالاً ولن يوجد، إذا أصرَّ على رفضه لأخيه الأصغر، كما الفريسيون بالطبيعة الذين لا يمكن أن يكونوا يوماً إلا أُجَراء في الملكوت وليس ورثة له.

أما مبدأ المصالحة الذي يحكم كل تفاصيل هذا المثل، فيضعنا ككنيسة أمام تحدٍّ كبيرٍ بشكل عام في الأيام القادمة… لا بد أن هذه الأزمة التي عشناها لمدة أحد عشر شهراً، والتي نرجو أن تنتهي بأسرع وقت ممكن، لا بد أن تكون قد خلَّفت أوجاعاً وشروخاً عميقة في بلدنا… تنافراً في الأطراف. أليس الله هو من صالحنا لنفسه، ونحن غير مستحقين؟ أليس هذا هو الدور الذي ينبغي أن نقوم به ككنيسة، أن نصالح الناس لأنفسنا، ثم نصالح بين إخوة الوطن الواحد؟ فلا يكون مدى استحقاق الناس بوصِلتَنا، بل محبة المسيح الفائقة هي البوصِلة… هذه المحبة التي بيّنها الله لنا، إذ “ونحن بعد خطاة مات المسيح من أجلنا” (رو 5: 8).

0

اترك تعليقاً