لسعات عقرب

كان يا ما كان في قديم الزمان، كان هناك رجل حكيم متقدم في السن. في يوم من الأيام سمع شابٌ من قرية مجاورة بحكمة العجوز هذا، فقرر أن يراقبه من بعيد ليتعلّم منه. جاء الى القرية سائلاً عن الحكيم:
  • مرحباً يا فتى، هل تعرف رجل يدعونه بالحكيم في قريتك؟
  • طبعاً أعرفه، فمن لا يعرف العم الحكيم!
  • هل تستطيع أن تعطيني عنوانه، فأنا بحاجة لاستشارة منه.
  • حسنا، اذهب في هذا الطريق، بعد مفرقين ترى مفرق لطريق ضيّق، ادخل من هناك، فمنزله هو الرابع.
  • شكراً لك على المعلومات.
مشى الشاب نحو منزل الحكيم، لكنه لم يطرق الباب، فهو أراد أن يراقبه من بعيد ليتعلم منه وهو بكامل عفويته. فمشى متخطياً المنزل المقصود، وجلس على حجر منتظراً خروجه. مرّت ساعات ولم يُفتح الباب، حتى أنه بدأ يضجر من الانتظار، ومن نفس الحجج التي يستخدمها للاجابة عن تساؤلات المارّة. نظر نظرة اخيرة للباب قبل أن يغادر، فإذ بالباب يفتح ليخرج منه رجل مسنّ حاني الظهر. استغرب من شكله الذي يبدو عليه تعب السنين، أخذ يمشي وراءه من مكان الى آخر، إلى أن وصل المسن لضفّة نهرٍ قريبٍ من القرية. جلس الشاب خلف شجرةٍ، وأخذ يشاهد الحكيم الجالس على الضفة. مرت حوالي نصف الساعة، والحكيم لا يعمل شيءً سوى مشاهدة مياه النهر الجارية. وإذ بالمسن يشهق مستغرباً:
  • يا لهذا العقرب المسكين، انه يحاول النجاة من الغرق، بتمسكه بعود شجرة صغير.
فمدّ الرجل الحكيم يده لمساعدة العقرب، الأمر الذي أثار استغراب الشاب، قائلاً في نفسه “من قد يساعد العقرب، لو كنت مكانه لتركته يموت”. ما هي إلاً ثوان حتى صرخ المسن متألماً من لسعة العقرب الذي رفض مساعدة الرجل. لكن الحكيم لم يستسلم، بل مدّ يده مرة اخرى للعقرب محاولاً المساعدة. هنا بدأ الشاب يشك بحكمة العجوز، فأبسط الناس قد يعرف كيف يبتعد عن الخطر من المرّة الأولى، فكيف من الثانية، لا بد أنه مجنون. ثم أتى صراخ الرجل من لسعة العقرب الثانية كدليل للشاب على حالة المسن الغريبة، قائلاً في نفسه “هو يستحق ما جرى له، لعله يتعلم من خطإه ويتّعظ!”
غير أن المسن لحق بالعقرب ومدّ يده للمرة الثالثة. الأمر الذي أثار غضب الشاب المتخفي وراء الشجرة. فقفز وصرخ للرجل قائلا له:
  • لماذا تفعل ذلك؟ ألم تتعظ من المحاولتين الفاشلتين؟ ابتعد عن العقرب…
نظر المسن للشاب، ثم التفت للعقرب من جديد ومدّ يده للمساعدة. لكنه استطاع اخراجه من الماء هذه المرة، فنجى العقرب من الموت المحتّم. وضع الحكيم العقرب على الأرض، ومشى باتجاه الشاب حتى وصل اليه. نظر في عيونه والبسمة على وجهه، ثم قال له:
  • من أين خرجت؟ هل كنت تراقبني من أول الحادثة؟
  • نعم كنت اراقبك، لأنني سمعت بحكمتك، وأردت التعلم منك، لكنني لم أعد واثقاً بذلك، لماذا ساعدت العقرب مرات عدة بعدما لسعك؟ أيستحق كل هذا العناء؟
  • يا بني، اذاً اليك الدرس الأول: “من طبع العقرب أن يلسع، ومن طبعي أنا أن أحب وأرحم”…
أحياناً نسأل أنفسنا، لماذا تجسّد الإله؟ لما كل هذه التضحية لانقاذ شعب لطالما رفض محبته وخيّب آماله؟ لماذا لا يستسلم ويدعنا نغرق في نهر خطايانا وشرورنا؟ جواب الحكيم قد يكون الجواب الأنسب لتساؤلاتنا. فشكراً لله الذي يعاملنا لا بحسب استحقاقنا وأفعالنا، وإنما بحسب محبته العظيمة، التي تجعله يقوم بالمستحيل لينقذنا وينجّينا من الموت الأبدي المحتّم.
فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ». لوقا 2: 10-12
0

اترك تعليقاً