المظاهر شيء والقلب شيء آخر! (القسّيسة نجلا قصّاب)

النص الكتابي: 1 ثُمَّ قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَتَى يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، حَيْثُ كَانَ لِعَازَرُ الْمَيْتُ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. 2 فَصَنَعُوا لَهُ هُنَاكَ عَشَاءً. وَكَانَتْ مَرْثَا تَخْدِمُ، وَأَمَّا لِعَازَرُ فَكَانَ أَحَدَ الْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ. 3 فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ مَنًا مِنْ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، وَدَهَنَتْ قَدَمَيْ يَسُوعَ، وَمَسَحَتْ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِهَا، فَامْتَلأَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ. 4 فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، وَهُوَ يَهُوذَا سِمْعَانُ الإِسْخَرْيُوطِيُّ، الْمُزْمِعُ أَنْ يُسَلِّمَهُ: 5 «لِمَاذَا لَمْ يُبَعْ هذَا الطِّيبُ بِثَلاَثَمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَ لِلْفُقَرَاءِ؟» 6 قَالَ هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ، بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ. 7 فَقَالَ يَسُوعُ: «اتْرُكُوهَا! إِنَّهَا لِيَوْمِ تَكْفِينِي قَدْ حَفِظَتْهُ، 8 لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ» (يوحنّا 12: 1-8)

في المقطع الذي قرأناه من إنجيل يوحنا نجد فريقان: فريق من رأي مريم، وآخر من رأي يهوذا. فريق كان يقدّر ما قامت به مريم وكل ما أعطته وقدمته للرب، وفريقٌ كان مع يهوذا واعتبر هذا الأمر تبذيراً، وأن المال الذي أهدرته مريم عند رجلي يسوع كان الفقراء أولى به، وقد ذهب هدراً بحسب رأيهم.
قدّمت هذه المرأة أغلى ما عندها، والطِيب الذي استخدمته لغسل رجلي يسوع كان يستورد من الهند، وكان غالي الثمن، ومقدار ما سكبت مريم منه على قدمي يسوع كان يساوي أجر سنة كاملة. كان الناردين يستخدم لمسح الملوك؛ وقد مسحت مريم الرب يسوع به إذ كان بالنسبة لها هو الملك؛ وقد قامت بعمل نبوي لدرجة أن الرب يسوع قال اتركوها فقد سبقت ودهنت بالطيب جسدي لتكفيني.
دفعت المرأة كل مدخراتها لتشتري ما يليق بالملك. كانت مستعدة لأن تقدم له كل شيء، حياتها أولاً. وكانت العادات تقضي آنذاك أن يقدم صاحب البيت ماء كي يغسل أرجل ضيوفه، وكان يوضع العطر على الرأس. رأت مريم أنه ينبغي أن يُسكب الطيب، ليس على رأس الرب يسوع، بل على رجليه أيضاً. ولم تمسح رجليه بالطيب فقط، بل جفّفته بشعرها. أرادت أن تعبد الرب بكل كيانها. لقد اخترقت العادات والتقاليد، فلم تأخذها بعين الاعتبار.
وكان هناك شخص آخر حاضراً في ذلك العشاء، هو يهوذا الإسخريوطي الذي باع يسوع بحفنة من المال، رأى أن مقدار الحب المقدم ليسوع من مريم كثير، لا بل مبالغ به، إذ كان الشر قد دخل قلبه وكانت عيناه على المال. كان هناك فرق شاسع بينه وبين مريم؛ خطان متطرفان متباعدان لا يلتقيان. كانت مريم تعبد الرب يسوع، ويهوذا يعبد المال. “وقال الكتاب: حيث يكون قلبك يكون كنزك هناك”. إذا كان قلبي على المال، فكنزي هو المال؛ وإذا كان قلبي مع الرب، فكنزي هو الرب”.
لم يكن يهوذا يحتفظ بمال الصندوق، بل كان يسرق أيضاً. ونرى أن يهوذا كان تلميذاً للرب، وكان مع التلاميذ الذين أرسلهم الرب اثنين اثنين ليشفوا المرضى ويخرجوا شياطين. يمثل يهوذا أناساً بيننا يعيشون “المظاهر شيء والقلب شيء آخر”. ما قام به يهوذا يطرح علينا سؤالاً حول محبتنا وعبادتنا للرب. لقد اعتبر يهوذا أن سكبَ الطِيب هو تلف وهدر. كانت انتقاداته غير بناءة. هل ننتقد إخوتنا لأننا نضمر الشر؟ هل نتاكد أن ما نقوله يصدر من قلب تملاه محبة المسيح وتعاليمه؟

3+

اترك تعليقاً