اللهُ… يرى (القس أديب عوض)

النصّ الكتابي: (تكوين 16: 1-13)

من أكثر ما يلفت النظر في الكتاب المقدّس أنه يروي قصصَ أُناسٍ لا يهتمّ بهم الآخرون. ومن أكثر الأمور التي تلفت النظر بالنّسبة لقرّاء الكتاب المقدّس – وخاصةً المسيحيين منهم- قلَّةُ اهتمامهم بهؤلاء، مع أنّ تاريخَ المسيحيّة مشحونٌ بالمهمّشين، الذين لم يكن العالم ليُعِيرَهم أيَّ انتباه. واحدة من تلك القصص الصارخة هي قصّة هاجر. لم يُعِر المفسّرون قصّتها اهتماماً يُذكَر، كونهم يتعاملون معها كمجرّد لاحقة صغيرة لقصّةٍ أهمّ بكثير، هي قصة إبراهيم وسارة.
أمّا أنا فأودّ أن أُبرزَ قصّة هاجر، وأنقلها إلى الواجهة، كمثالٍ كتابيٍّ حقيقي حول ظلم الإنسان للإنسان، والاتّجار بالبشر. هاجر هي أمَة، يقرّرُ آخرون هويّتَها، حياتَها، وقيمتَها. بعد مقدّمةٍ مقتضبة تُلحِقُها بسيّدتها، تُزاح إلى هوامش القصّة – لا تتّخذ أيّة قرارات، ولا تفُه ببنتِ شفة؛ ومع أنّ الوحيَ المقدّس يشاء أن يشرّفَها باستخدامه اسمها، إلاّ أنّ إبراهيم وسارة لا يتفوّهان به على الاطلاق؛ بالنسبة لهما ليست سوى “جارية” (2و5و6)، قيمتها الوحيدة والفريدة في القصّة . . . جِنْسانيّتُها.
هاجر هي، في أعين إبراهيم وسارة، مجرّد قِنية؛ هي سلعة جنسيّة جاهزة لإشباع شهوة مالكِها . . . أو مالكيها. تبدأ القصّة مع رغبة سارة في أن يكون لها طفلٌ حُرِمت منه لأنها عاقر؛ رَحَمُ هاجر متوفّر – كونُه ليس مُلكاً لصاحبته، بل لأسياد صاحبته. لذلك تُعطي سارة جاريتَها إلى رجلِها ليدخُلَ عليها. أمّا هاجر فصامتة صاغرة أمام اقتحام جنسانيّتها – لا خيار لها، لا رأي لها، لا يحقّ لها الرفض. قرارُ مَن يستخدم جسدَها – بطريقة، أو بأخرى – لا يعود لها، بل لأسيادها؛ ولا يوحي النصّ بأية محبّة أو عاطفة أو رغبة عند “الختيار” من نحوها. إنها جنسٌ جاهزٌ ورَحَم، هذه قيمتُها الحقيقيّة.
تعطينا لغةُ النصِّ المقتضبة فسحةً رحيبة للتجوال داخل القصة. يخبرنا النص أنّ هاجر مصريّة، إنما لا شيء عن كيف صارت مُستعبَدة: هل بيعت مباشرةً؟ هل وُلِدت لأبوين عبيد؟ هل باعها والداها إلى هذين الزوجين الثريين مقابل مالٍ احتاجاه لإعالة بقيّة أفراد العائلة؟ هل اختطفها عبيدُ إبراهيم في إحدى غزواتهم؟ مهما كانت الظروف التي حملتها أمَةً إلى بيت إبراهيم، فإنها لم تملك أمراً يخصّ حياتها، وهذا هو بيت القصيد.
تعكس مرايا حياةِ هاجر حقيقة الملايين من البشر في عالم اليوم. يقول تقرير صادرٌ عن وزارة الخارجيّة الأميريكيّة أنّ ما بين 14500 و 17500 إنسان (غالبيتُهم من النساء والأطفال) يُهَرَّبون سنويّاً إلى الولايات المتّحدة، ضمن عمليّات اتّجار بالبشر. ومع أنّ تهريب البشر يأخذ أنماطاً متنوّعة لغاياتٍ متنوّعة، فإنّ الغالبيّة الساحقة من أولئك الذين يُهَرَّبون إلى الولايات المتّحدة، أو بكلمةٍ أدقّ “يُستعبَدون” ضمن الولايات المتّحدة، يؤتى بهم لتجارة “الجنس”. وكَمِثْلِ موقع هاجر عند مفسّري الكتاب المقدّس، يلقى مصيرُ أولئك كلَّ الإهمال والتجاهل من كنيسة أضحت اهتماماتُها في مواقع أخرى، للأسف!
مع ذلك، فالرّبُّ هو اللهُ الذي يرى . . . ويجد (7).
تأخذ قصّة هاجر انعطافةً مصيريّة عندما تحبل. وإذ ذاك، يخبرنا الصوت الكتابي، احتقرت سيّدتَها. لا يسع المرء أن يلومها، مع أنّ الكثيرين يلومونها. سارة هي التي دفعتها في هذا الاتّجاه، حين رفعتها إلى مرتبة الزوجة: ” . . . وأعطتها لأبرامَ رجلِها زوجةً له” (3). لسنا نعلم سبباً أكيداً لاحتقارها سارة؛ ألِأنّ سارة عاقر؟ أهِيَ لحظةٌ سانحة للحصول على مكاسب أكثر في تراتبيّة بيت إبراهيم الملتوية؟ أم أنّ الأسباب أعمق؟ أتُعبِّرُ أخيراً عن مكنوناتها الحقيقيّة تجاه سيّدتها، التي دفعتها إلى فراش رجلٍ ليست ترغبُ به، بعُمرِ جدّها – ربّما؟
لكن هناك شيء واضح، كامنٌ بين السطور: إنها زوجة الآن، لكنّها ما زالت “جارية” تحت سلطة سارة، ولا يحقّ لها التعبيرُ عن أحاسيسها . . . ليس للعبيد أيُّ خيار عدا الإطاعة العمياء. أمام واقعٍ جديد، تلجأ سارة إلى إبراهيم ليسوّي الأمور؛ في الوقت ذاته تستأنف الحكمَ (البدائي) إلى محكمة الله قبلَ صدوره: “يقضي الربُّ بيني وبينك” (5). لا يلجأ الناس عادةً إلى الله ليقضي في أمورهم إن شعروا بأنه سيحكم خلافاً لرغباتهم! في عالم الإنسان، وفي نظرة الإنسان إلى العالم، ليس من ذنبٍ في استغلال الآخرين واستعبادهم. ألم تحلّل الكنيسة عبر العصور العبوديّة؟ ألم ترَ الكنيسة دائماً أنّ هناكَ أولادَ حرّة، وهناك أولادُ جارية؟ وأنا اسالُ هنا: ألن يقضي الربُّ بين إبراهيمَ وسارة وهاجر؟ لنرى!
الحقيقة هي أنّ هاجر “الزوجة” بقيت جارية، تخضع لسلطة مالكيها، بدليل جواب إبراهيم: “هوذا جاريتُك في يديكِ؛ افعلي بها ما يحسنُ في عينيك. فأذلّتها ساراي” (6).
جعلت سارة حياةَ هاجر جحيماً؛ جعلت حياتَها لا تُطاق . . . “فهربت من وجهها” (6). لا يخبرنا الوحيُ المقدّس بأنّ أحداً تبعها؛ حتى والد الجنين الذي في بطنها لم يفعل شيئاً؛ فقد قضى “الختيارُ” منها وطراً . . . وشبع! هربت هاجرُ وحيدةً إلى المجهول. لا يسعى أحدٌ وراءها لمساعدتها، أو السؤال عنها، أو اللحاق بها – حاملةً جنينَها في بطنها، واليأسَ في عينيها، والأسى على وجهها.
مع ذلك، فالرّبُّ هو اللهُ الذي يرى . . . ويجد (7).
في تيهها في البرّية يجدها ملاكُ الربّ على عين ماء (7) بالقرب من شُور. ممّا يُضحِكُ ويُبكي أنّ ظهور “ملاك الرب” عند هذا الـمُنعطَف من القصّة جذب انتباه العديد من المفسّرين، فوجدوها فرصةً نادرة لشحذ فصاحتهم اللاهوتيّة: ما هي هُويّة هذا الملاك؟ وهل من تداعيات لاهوتيّة لظهوره؟ هل هو كائنٌ كونيّ متطوّر؟ هل هو المسيح قبل التجسّد؟ كم من السهل أن نحوّل اللاهوت إلى مجرّد زواريب نتيه فيها، بينما أمورٌ هامّة تفطر قلبَ الله تصرخ في وجوهنا!!
“فوجدها ملاكُ الربِّ”. ألا يصدمنا فعلُ “وجدَها”، كأسلوبٍ مستغرَب للحديث عن الله الذي يعرف ويرى كلَّ شيء؟ لكن، تابِعوا معي: يفترضُ فعلُ “وجدَ” حالةً سابقة هي التفتيش، أو فعل “فتّش”؛ ويفترض فعلُ “فتّش” فعلاً سابقاً هو “ثمّنَ”. أنت تفتّش عن شيء ذي قيمةٍ لك، وتسعى جهدَك لتجدَه. إذن، يفترضُ فعلُ “وجد” قيمةَ هاجر عند الله. لم يأت أحدٌ من العائلة سعياً وراءها؛ لم يطلب والدُ جنينها من عبيده اللحاق بها خوفاً من أن يفترسها وحشٌ . . . آدمي، أو حيواني (في إحدى العِظات اللاعصماء حول لامبالاة إبراهيم بفرار “زوجَتِه” هاجر، تفاصح الواعظ مؤكّداً أنّ إيمان إبراهيم تجلّى في تجاهله هروبَ هاجر، إيماناً منه أنّ الربّ – كذا! – سيجدها ويحافظ على جنينها)؛ لم يرها أحدٌ في تيهها. الله كان يفتّش عنها. هل تذكرون، يا قارئيَّ الأعزّاء، ذيّاك الراعيَ الذي ترك التسعةَ والتسعين، وقلَبَ البرّية رأساً على عقب، حتّى وجد خروفَه الضّال؟ أو المرأة التي كنّستِ البيتَ حتّى وجدت الدرهمَ المفقود؟ لا بشر يفتّش عن هاجر؛ لكنّ اللهَ يجدُها.
عندما يجدها الربّ يدعوها باسمها، وبالهويّة التي أعطاها البشرُ إيّاها : “يا هاجر، جاريةَ ساراي” (8). يحييها بسؤال – طريقة البشر عندما يبغون فتحَ حديث والإيحاء بالإلفة والمودّة: كيف حالك؟ كيفك؟ شو في ما في؟ شلونك؟ كيف الأحوال؟ السؤال عند اللقاء هو بمثابة مدخلٍ إلى جواب، واستدراج الآخَر إلى حديث. هذا نوعٌ من الكلام لم تعتدْهُ هاجر؛ فالحديث بين السادة والعبيد – كما اختبرته في بيت إبراهيم _ طريقٌ ذو اتجاهٍ واحد، لا كلام فيه للعبيد؛ ولأوّل مرّة في القصّة تتكلّم هاجر . . . “أنا هاربةٌ” (8).
يتابع الملاكُ كلامّه، وهاجر مرتاحةٌ لكلامه؛ لكنّ كلماته التاليّة تهبط كالصاعقة: “. . . ارجِعي إلى مولاتِكِ، واخضعي تحت يديها” (9). أعترف لقرّائي أنني لا أعلمُ ماذا أفعلُ بهذه! يجري هذا الحديث بالقرب من شور، المنطقة المتاخمة للحدود مع مصر. إذن، كانت هاجر متّجهة إلى بلادها وأهلها؛ وعند وصولها إلى قاب قوسين من الحرّية يجدها الله ويطلب إليها أن تعود إلى العبوديّة الكريهة.
بمقدوري أن أقدّمَ جمهرةً من التأويلات حول أمر الله هذا “ارجعي . . . واخضعي”؛ لكن هيهات أن تروي غليلَ المسكينة هاجر، التي غدت في مرمى الحرّية أخيراً! أنّى لي أن أُجيبَ على تساؤلات الملايين من الناس حول الظلم والغيِّ والاستغلال والاستبداد والاتّجار بالبشر، تحتَ سمعِ وبصرِ كنيسةٍ صمّاء لا مبالية، غارقة في سرير أحلامها القرمزيّة!؟ ربّما عندكَ أنت، قارئي العزيز، جوابٌ!! بالنسبة لي، الوقتُ أوانُ سؤال؛ أمّا الجواب . . . فموقف! تابعوا معي.
طبعاً، لن يفوتَني أن ألاحظَ أنّ هذا الأمرَ مقرونٌ بوعد: “تكثيراً أكثّرُ نسلَكِ” (10). هناك حبكةٌ خفيّة هنا، تفوتُ معظمَ المفسّرين: النسلُ، في الشرق، لا يأتي من المرأة، إنّما من الرجل. ويذكر أغلبُنا أنّ وعدَ الله إلى هاجر صِيْغَ بنفس أسلوب وكلمات كلّ وعوده للرجال الآباء (12: 2؛ 15: 4و5). ففي عالمٍ معوجٍّ، حيثُ تترابط القوّة والمركز والقِيَم مع بعضها البعض، وحيث الصيتُ والجاهُ والذكرُ والذرّيةُ للرجل، يأ تي الرّبُّ إلى جاريةٍ هاربةٍ ضعيفة خاوية، ويمنحُها نفسَ وعوده التي يعطيها للأقوياء والمرموقين والسّادة من الرجال. يُتْبِعُ الّربُّ وعدَه بأمرٍ بالرجوع إلى مستقبلٍ مجهول، تماماً كما فعل عندما دعا إبراهيم من وراء النهر.
لم ينتهِ الملاكُ بعد؛ فهاجر ستلد ابناً، وستدعو اسمَه اسماعيل – “اللهُ يسمعُ”. كابنِ إبراهيمَ الآخَر – اسحق، سيجسّدُ اسماعيلُ وعدَ الله. “اللهُ يسمعُ”، هو معنى الاسم؛ سَمَعٌ يستحثُّ جواباً. “اسماعيل” هو تأكيدٌ ووعد – لقد سمع الله صُراخَها (التأكيد)؛ وسيسمعُ باستمرار (الوعد). متسلِّحةً بهذا الوعد، تشعر هاجر بثقلِ اهتمام الله بها وجلاله – إنّه اللهُ الذي يرى! لقد أعطى إلهُ الخليقة حياةً وكرامةً لجاريةٍ هاربة، أزلّها البشرُ، وأداروا لها القفا. لقد سمع الرّبُّ ورأى، في الوقت الذي يتجاهلُ البشرُ ولا ينظرون. الله يرى . . . ما أعظمَكْ؛ ما أعظمَكْ!!
سأُنهي قصّةَ هاجر عند هذه النقطة في الوقت الرّاهن. نعرف لاحقاً أنها عادت بالفعل. كان إيمانُها مُكْلِفاً وخطِراً؛ واستجابةً منها لمن طلب إليها اللامعقول، تعود هاجر إلى موقع الألم والمذلّة التي تعرفه جيّداً وتتوقّعه. لكنّها تعود بهدفٍ ووعد، وبيقين أنّ الله الذي يرى ويسمع هو عونُها، وملجأٌها.
قصّةُ هاجر هي واحدة من تلك القصص في الكتاب المقدّس التي تُبرِز لنا الأمورَ التي تهمّ اللهَ في عالمٍ فَقَدَ رشدَه وفسد. هي قصّةٌ تدعونا إلى أن نَقرِنَ رؤيانا بفكر الله، أن نرى ما يراه الله، ونسمعَ ما يسمعه وكما يسمعه.
مَن هي هاجر اليوم؟ أليست كلَّ الذين يعانون الإذلال واليأس من السُّخرةِ والاتّجار الجنسي؟ كيف يمكن أن يأتي اللهُ إليهم(هنَّ)، إلاّ في وجهِ إنسانٍ ويدَي إنسان؟ مَن سيكون ذيّاك الوجهَ، وتانِكَ اليدين – عوناً لهم(لهنّ) ونصيرا؟ مَن ستحرّكُه(ها) تعاستُهم(هنّ) الـمُدْقَعَة؟ مَن سيراهم(هنّ) كما اللهُ يراهم(هنّ)؟ كيف يمكن لمحبّة الله ورؤياه أن تُعِيدَ تكوين رؤيانا لأولويّات الشهادة المسيحيّة؟
هناك مظالمُ لا توصف في عالمنا، أكثر ممّا يتصوّره العقل. لا يمكن لواحدتنا، أو لواحدنا، أن نستجيب لكلِّ نداء استغاثة يصلُ أنظارَنا وأسماعَنا؛ لكننا معاً نستطيع أن نرى ونسمع.
ربّما يدعو اللهُ واحدتَنا/واحدَنا لنكون “ملاكَ اللهِ” إلى إنسان بائسٍ، يحتاج أن يعرفَ أنّ الله يرى.
ها صوتُه يدعو، قائلاً: “مَن أُرسِلُ، ومَن يذهبُ من أجلنا؟” (إش6: 8)؛
أيضاً: “مَن يَنْتَدِبُ اليومَ لملءِ يدِه للربّ؟” (1أخ29: 5).

0

اترك تعليقاً