“السموات والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول” (القس د. هادي غنطوس)

القراءات: مز 19؛ مت 5: 13-26؛ 2 مل 25: 1-17
إن سفر الملوك قد كتب في الفترة الفارسية، وتعود المرحلة الأهم والرئيسية في تأليفه إلى بداية القرن الرابع قبل الميلاد، أي مباشرة بعد كتابة التوراة التي تعود كتابتها إلى حوالي سنة 400 ق.م، لذا فإنّ سفر الملوك يعلن بأن هذه التوراة، هي الوحيدة الباقية وهي كل ما يحتاج إليه شعب الله وليس المملكة أو الأنبياء أو أورشليم أو الهيكل أو كل ما هو مقدس فيه.
بكلمات أخرى، وببساطة، فإن سفر الملوك يعلن بأن القيمة الوحيدة الباقية هي كلمة الله. وبذلك المعنى، فإن سفر الملوك هو سفر نبوي. حيث أن النبي هو من يُعلن كلمة الله للشعب؛ وهذا هو ما يفعله سفر الملوك. ولذلك فإن سفر الملوك ينتمي إلى أسفار الأنبياء السابقين وليس الأسفار التاريخية (التي لا وجود لها) في الكتاب المقدس العبري، وهو السفر الأخير بين أسفار الأنبياء السابقين، ويأتي كمقدمة لأسفار الأنبياء اللاحقين. فالنبي في الكتاب المقدَّس هو سفر وليس شخصاً، وسفر الملوك هو أحد الأنبياء، حيث يعلن كلمة الله، ويعلن أنها الوحيدة الباقية والمهمة لحياة شعب الله، في حين أن كل مملكة وسلطة، وحتى كل ما هو مقدس، زائل لا محالة.
وذلك هو بالذات ما أكدّه يسوع في متى 5، حيث يعلن أن السموات والأرض، أي الخليقة بأسرها إنما هي زائلة، والوحيد الباقي إنما هو كلمة الله، الناموس (التوراة) والأنبياء (أسفار الأنبياء)، وهي الأجزاء التي كانت تمثِّل الكتاب المقدس في زمن يسوع.
وذلك هو ما أكده الإصلاح الإنجيلي الذي أكدّ مركزية كلمة الله في حياة شعب الله، وأن كلمة الله هي وحدها مَنْ تمَتلك، ويجب أن تمتلك، السلطة الوحيدة في حياة شعب الله.
وذلك هو ما نحن مدعوون إلى إدراكه والعيش على أساسه ككنائس إصلاح إنجيلي، مدعوّة لتعطي السلطة الوحيدة لكلمة الله، فتعطيها مكاناً ودوراً مركزّيين في حياتها ومواقفها، وتؤسِّس حياتها بالفعل، وليس فقط بالقول، على تلك الكلمة.
ودعوني أختم هنا بقصة تقول إن عدداً من الأشخاص تقدَّموا بطلب الحصول على وظيفة كعمال استقبال برقيات في مكتب للتلغراف. وعندما كان جميع المتقدِّمين ينتظرون إجراء المقابلات معهم في مكتب التلغراف في اليوم المحدَّد، قام أحدهم فجأة ودخل إلى الغرفة الأخرى، في حين استمر الباقون جالسين في مكانهم. وبعد حوالي نصف ساعة، خرج مدير المكتب ليعلن لهم أنهم يستطيعون الانصراف لأن الشخص الذي دخل قد حصل على الوظيفة، لأنه كان الوحيد الذي انتبه لأن آلات التلغراف كان ترُسل رسالة الشيفرة الآتية: “إذا كنت تستطيع أن تفهم الرسالة الحالية، توجَّه إلى الغرفة الأخرى حالاً”.
فهل نعيش ونحن ننتبه لكلمة الله التي نجعل منها رفيقة لنا في كل لحظة من لحظات حياتنا، ونعطيها مكانة مركزية وسلطة وحيدة على حياتنا، كأفراد وككنيسة؟

1+

اترك تعليقاً