احتياجات أم قدرات خاصّة؟ نظرة كتابيّة – ليندا مكتبي

لدى الإنسان ميل دائم لإبراز مواطن القوّة، ولأنه كائن اجتماعيّ فهو في سعي دائم لإثبات وجوده من خلال أفعاله وأقواله وقدراته. وقد أعطانا الله نوعان من الذكاء: ذهني وعاطفي. أما الذكاء الذّهني فإنّه يعطي قيمة كبيرة لكينونة الوجود بحدّ ذاته. وأما الذكاء العاطفي، فإنّ النفس البشرية تتوق إليه لاحتمال مشقّات هذه الحياة. يُعرَّف الذكاء العاطفي بأنّه القُدرة على إفراز العواطف الذَّاتيّة، واستخدامها بطريقة صحيحة مُتوازنة في مُختلف تفاعُلات الإنسان، في مجالات العمل أو العلاقات أو التَّواصل… الخ. وعدم توازنه يُنتِج خللًا في حياة الإنسان ومحيطه. هذا الذكاء العاطفي مجبول من مهارات وصِفَات الإنسان التي تساعده على بلوغ السَّعادة والنَّجاح، في الوقت نفسه. ويترك آثارًا إيجابيّة أو سلبيّة، حسب قبول المحيط للفرد، وحسب قبول الانسان لذاته.
هناك فئة ملحوظة في المجتمعات كلّها، أُطلِقت عليها وصمات وأسماء عدّة، جميعها تشير إلى ضعف موجود في هذه الفئة، وهي تُدعى الآن: المُعوَّقين، ذوي الاحتياجات الخاصَّة، ذوي الإرادة الصَّلبة… الخ. سوف نبحث الآن كيف نظر الكتاب المقدّس إلى هؤلاء الأفراد، أعدكم بأنَّكم ستختبرون نظرة مُختلفة عاشها المسيح وتحدّث عنها.
(مزمور 139: 13- 16) “لأَنَّكَ أَنْتَ اقْتَنَيْتَ كُلْيَتَيَّ. نَسَجْتَنِي فِي بَطْنِ أُمِّي. أَحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدِ امْتَزْتُ عَجَبًا. عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ، وَنَفْسِي تَعْرِفُ ذلِكَ يَقِينًا. لَمْ تَخْتَفِ عَنْكَ عِظَامِي حِينَمَا صُنِعْتُ فِي الْخَفَاءِ، وَرُقِمْتُ فِي أَعْمَاقِ الأَرْضِ. رَأَتْ عَيْنَاكَ أَعْضَائِي، وَفِي سِفْرِكَ كُلُّهَا كُتِبَتْ يَوْمَ تَصَوَّرَتْ، إِذْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهَا”. الله يعرف الإنسان كيفما كان وأينما وُجِد، ومن فيض محبَّته أوجد كُل البشر، وهو يعرف كافَّة التَّفاصيل الصَّغيرة أيضًا، حتى تلك التي تكمن في القلوب.
لقد عجز البشر عن تفسير أسباب حدوث أمور كثيرة مع الإنسان، خاصّة غير المرئيّة، ولا يزال العِلم يسعى للحصول على إجابات لأسباب وجود أمراض عدّة، مثل التَّوحُّد. يبقى البحث مُستمرّ، ولكن ما لا نحتاج إلى برهان عليه هو محبَّة الله القادر على كلّ شيء لجميع البشر بالتَّساوي، لأنَّه لا يُفرِّق ولا يُميّز ولا ينسى أحد. “بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ” (1 كورنثوس 1: 27). قَلَبَ الله الموازين ليعطي مَن اعتبر نفسه حكيمًا أو قويًّا درسًا في التَّواصل مع الآخَر، والسَّعي للاستفادة منه إيجابًا، لاستمرار الحلقة البشريّة بالاتّجاه السَّليم نحو الملكوت. أن نقبل الآخَر كما هو، دون التَّحقير من حقيقة ذاته، هو فرضٌ اجتماعيّ ودينيّ بلا شكّ.
أشير هنا إلى الآخَر الضَّعيف، وأسألكم: “هل هو ضعيف بالنسبة لنفسه، أمْ بالنسبة لك، أمْ بالنسبة لله؟” يتّضح لنا من الآية الأخيرة أنّ الله رأى أدوارًا فاعلة لوجود هذه الفئة بين سائر البشر. فهم يُكمّلون نواقص الحكيم والقوي، ويٌضيفون للمجتمع قيمة إنسانيّة، نكاد ننساها في خِضمّ حياتنا البشريّة التَّفاعليّة. لا أشير هنا إلى أنّ الآخرَين قد لا يكونون مُمتازين في عملهم وقدراتهم وحياتهم، ولكني أقول إنّ فيهم إضافة للقيمة الإنسانيّة التي تُذكّرنا بوجود الله وأهميّة البشر في إنسانيتهم.
هل هو ضعيف بالنسبة لنفسه؟
هؤلاء الضُّعفاء مُستضعَفين، ينظر إليهم الآخَرون ويُعاملوهم على أساس أنّهم مرضى، لا يملكون القدرة على الإنتاج. هذا غير صحيح، فإنّ هؤلاء لديهم قدرات خاصّة، يُعبِّرون من خلالها عن إمكانيّاتهم وأحلامهم وطموحهم وذكائهم.
شابّ من مُتلازمة داون (منغول)، لديه حُلم أن يعمل، سأله أحد أصحاب النفوذ: “ماذا تُجيد؟”، فأجابه: “أستطيع أن أحمي الوطن”. تعجّب طارح السّؤال وطلب منه التَّفسير أكثر، فقال له: “أُجيد العمل في الفُرن، فأخبز الخبز والحلوى للضبّاط”. لا تتعجبوا! فهذا الإنسان يطهو من قلب مليء بالمحبّة، وليس بهدف انتظار النّقود في آخِر الشَّهر. لا أقول إن المال لا قيمة وحاجة له، إنّما أُوضِّح لكم كيف من المُمكن أن يأتيكم العمل المُنتِج من عامل لا يبغي الغشّ والعجلة، إنّما العمل المُتفاني المُمتلئ سلامًا وفرحًا ومحبّةً. هل هو ضعيف لأنّه يحمل صفة “منغولي”؟ مع الأسف الشديد، يُنظر إلى هذه الصفة نظرة دونيّة، تثير الشفقة نحوهم.
هو لا يرى نفسه ضعيفًا، بل إنّه يستطيع أن يعمل بحسب قدراته، وأنه يستحق هذه الفرصة. لا أقول إنّ غير هؤلاء لا يُعطون الأفضل، إذا شاؤوا واستطاعوا ذلك في عملهم، إنّما أشدّد على ضرورة رؤية كيف يرى هذا الفرد نفسه. إنه لا يعلم أنه ضعيف، ولا يرى نفسه في هذه الخانة. فهو يحبّ نفسه كما هو، ويحترم ذاته ويحتاج إلى مجتمع يستقبله ويقبله. يحتاج إلى عائلة تحتضنه ولا تخجل به. إنّه يحتاج إلى صدقنا تجاهه. والقول بأنّ الضعفاء مُستضعفين، يعني أنّ هناك من وضعهم في هذه الخانة، وهمّش دورهم وتجاهلهم في الكثير من الأحيان، لذا ننتقل إلى السؤال الثاني:
هل هو ضعيف بالنسبة لك؟
مَن أنت؟ أنت الفرد، العائلة الصُغرى والكُبرى، الجيران والمجتمع ككلّ. أنت الإنسان المُحاط بذوي الاحتياجات، أو القدرات الخاصّة والمُميّزة. أنت تعيش معه وتتساءل هل يشكل عبئًا عليك؟ أمْ أنّه قيمة إضافيّة لحياتك وللمجتمع؟ فأنت قد تخجل منه، أو تحاول إثبات دوره وكينونته. أنت تتساءل لماذا هناك مثل هذه الحالات بيننا وما هدف وخطة الله لهم؟
حين رأى يسوع إنسانًا كفيفًا منذ ولادته (يوحنّا 9)، سأله تلاميذه مَن الذي أخطأ حتى وُلِد كفيفًا، أهله أمْ الكفيف نفسه؟ كان جوابه عميقًا: “لا هذا أخطأ ولا أبواه، لكن لتظهر أعمال الله فيه”. إذًا، هؤلاء ذوي الاحتياجات الخاصّة لديهم نعمة مُتميّزة من الله، أن تظهر أعمال الله فيهم ومن خلالهم. كم نحن بحاجة إلى هذه النّعمة في حياتنا جميعًا! ونتساءل كيف يمكن أن تَظهر أعمال الله فينا أيضًا. قد نبدأ بقبول هذا الآخَر وإعطائه المجال لإظهار عمل الله الموجود فيه. هذا الآخر ليس مُعاقًا، إنّما نحن من يُعيق إظهار عمل الله الموجود فيه. من هنا ننطلق إلى السؤال الأخير:
هل هم ضعفاء في نظر الله؟
كيف يكونون كذلك وقد أوجدهم الله من فيض محبّته، وهم يحملون رسالة إظهار أعماله، وهم الأبرار الذين يذكروننا بسلام إله السلام؟ يطلب الله منّا أن نسند الضّعفاء (كولوسي 12: 9)، بالتّالي يُعطينا أدوارًا تجاههم لإبراز قدراتهم وإمكانياتهم. لم يخلقهم دون عقول، إنّما بعقول تعمل بأسلوب مُختلف، وتتأقلم حسب دعمنا لهم. ما أحاول إظهاره هنا هو أنّ الآخَر الذي يعاني من مشاكل صحيّة أو عقليّة أو جسديّة، لا يزال كائنًا حيًّا أوجده الله لنفرح بنِعمه الكثيرة علينا، وليتمجّد اسمه من خلال كلّ المخلوقات. لم يهملهم ولم يُلغِ وجودهم، إنّما دعانا لاستقبالهم ودعمهم والتفاعل معهم في مختلف مجالات الحياة. فهم يحبّون بصدق، ويعرفون معنى السّلام الحقيقي. هم الفرحة الحقيقيّة التي نبحث عنها بشكل متواصل، لكننا أخطأنا التواصل معهم والنموّ من خلالهم. هم ذوي قدرات الله المُتميّزة ونِعمه، ونحتاج أن نسلِّط الضّوء على ذلك باستمرار. إنهم قيمة إيجابيّة لكل المجتمع، ونحن نحتاج إليهم. إنّهم الذّكاء العاطفي.

0

اترك تعليقاً